(مقال أُنجز بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بإشراف وتحرير ومراجعة محمد أسليم)
ملخص
تكشف قضية محمد الفايد، في جانبها القانوني والمؤسساتي، عن إشكالية تتجاوز مضمون الخلاف الديني ذاته: ماذا يحدث عندما يغادر النزاع حول المقدس فضاء المنصات والجدل العقدي ويطرق باب القضاء؟ وهل يمكن تحويل فتوى صادرة عن مؤسسة دينية رسمية إلى عنصر إثبات داخل خصومة جنائية؟
ينطلق هذا المقال من هذين السؤالين لتحليل الطريقة التي انتقل بها الجدل من مستوى ردود الفعل الاجتماعية والدينية إلى مستوى التدبير المؤسساتي، ويتوقف عند وظيفة الطقوس الدينية بوصفها مكونات للهوية الجماعية، وعند لجوء الفاعلين التقليديين إلى المرجعية التراثية المحلية، ثم إلى التمييز بين الحكم على الأقوال والحكم على الأشخاص بما يتيح إحالة سلطة العقاب إلى الدولة. كما يناقش بصورة خاصة محاولة جر المجلس العلمي الأعلى إلى قلب الخصومة القضائية، وما تكشفه من ميل إلى تحويل السلطة الروحية إلى أداة إثبات، وهو ما يمكن وصفه، تحليليًا، بـ«عسكرة المقدس.»
يقارب المقال أيضا موقف القضاء من زاوية «الحياد الإجرائي»، ويحلل استراتيجية المؤسسة الدينية القائمة على الرد على الفكرة من دون تسمية صاحبها، أو ما يمكن تسميته «السكوت الواعي»، لينتهي إلى مساءلة قدرة هذه الهندسة القانونية والدينية على الصمود أمام بيئة رقمية جديدة قد لا يكون منتج التأويل فيها فاعلًا بشريًا محددًا، بل نظامًا توليديًا عابرًا للحدود.
الكلمات المفتاحية: الفتوى، القضاء، محمد الفايد، السلطة الدينية، الأمن الروحي، الحياد الإجرائي، عسكرة المقدس، إمارة المؤمنين، الذكاء الاصطناعي، السيادة الروحية.
———————
مقدمة: عندما يدخل الخلاف الديني قاعة المحكمة
تتغير طبيعة النزاع الديني جذريًا عندما يغادر فضاء المنصات ليدخل قاعة المحكمة. ففي يوتيوب وفيسبوك، يمكن أن تتواجه التأويلات والأحكام والاتهامات داخل سوق مفتوحة للكلام، تحكمها سرعة التداول والاستقطاب وقابلية المحتوى للانتشار. أما المحكمة، فتعمل وفق منطق مختلف يتمثل في الاختصاص، والإجراء، والحجة، وعبء الإثبات، والمسؤولية، والقواعد التي تحدد ما يجوز للقاضي أن يأخذه في الاعتبار وما ينبغي أن يتركه خارج الخصومة. ولهذا تثير قضية محمد الفايد سؤالًا يتجاوز الشخص والأقوال محل الجدل: هل يمكن أن تتحول الفتوى من حكم أو توجيه ديني إلى دليل تستعمله جهة مدنية لإثبات جريمة؟ السؤال دقيق لأنه يقع عند الحد الفاصل بين سلطتين تعملان بمنطقين مختلفين: السلطة الدينية التي تنتج أحكامًا معيارية في الحلال والحرام والصواب والانحراف، والسلطة القضائية التي تحدد المسؤولية القانونية استنادًا إلى نصوص وإجراءات وأدلة ووقائع.
ولا تظهر خطورة التداخل ما دام الخلاف محصورًا في أن يقول فقيه إن رأيًا ما مخالفا للعقيدة، لكن الوضع يتغير عندما يسعى طرف إلى نقل هذا الحكم العَقدي إلى المحكمة لكي يؤدي وظيفة قانونية في إدانة صاحب القول. هنا، لا يصبح السؤال: هل الرأي الديني صحيح أم باطل؟ بل: ما حدود الوظيفة التي يمكن أن تؤديها المؤسسة الدينية داخل دولة القانون؟
وهنا تكمن أهمية هذه الحالة بوصفها مختبرًا لدراسة العلاقة بين الدين والقضاء والدولة في زمن السيولة الرقمية. فالقضية التي بدأت بكلام متداول على شاشة هاتف سرعان ما أظهرت أن الفضاء الافتراضي لا ينفصل عن المؤسسات، لأن ما ينتج فيه قد يثير غضبًا اجتماعيًا، ويستدعي ردًا دينيًا، ثم يتحول إلى شكايات وطلبات قضائية. وبذلك يصبح على الدولة أن «تهضم» النزاع أو «تمتصه»، بمعنى أن تنقله من مجال شديد السيولة والانفعال إلى مسارات محددة بالقواعد والاختصاصات.
- الطقوس والهوية: لماذا لا يسمع المجتمع النقاش الديني بوصفه رأيًا فقط؟
لفهم انتقال الجدل إلى هذا المستوى من التصعيد، لا يكفي النظر إلى الأقوال من زاوية لاهوتية. فالمادة التي نعتمد عليها تشير إلى أن النقاش مس طقوسًا وممارسات من قبيل غسل الميت وشعيرة الأضحية وصيغ مرتبطة بالصلاة. من منظور فردي محض، يمكن التعامل مع هذه الأمور باعتبارها مسائل دينية قابلة للنقاش، لكن الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع الديني يلفتان النظر إلى وظيفة أخرى للطقوس: إنها لا تنظم علاقة الفرد بالمقدس فقط، بل تسهم أيضًا في إنتاج الجماعة نفسها. فالطقس ممارسة مشتركة، تتكرر عبر الأجيال، وتمنح الأفراد شعورًا بأنهم ينتمون إلى عالم رمزي واحد، وبذلك فالجنازة، وشعائر العيد، والصلاة الجماعية، واللغة التعبدية ليست مجرد أفعال منفصلة، بل عناصر في ذاكرة جماعية ونظام من العلامات يربط الأفراد بعضهم ببعض.
ومن هنا يمكن استخدام تعبير «اللاصق الاجتماعي». فالطقوس تعمل، ضمن هذا المنظور، بوصفها إحدى المواد التي تحفظ تماسك الجماعة واستمراريتها الرمزية. لهذا قد يستقبل المتلقي نقد طقس ديني بطريقة تختلف كثيرًا عن تلقيه نقاشًا مجردًا في مسألة فلسفية. فهو قد لا يسمع فقط: «هناك من يعترض على ممارسة»، بل يسمع، في بعض الحالات: «هناك من يطعن في شيء يشكل جزءًا من هويتي وهويتنا المشتركة.» وهنا يتحول الخلاف المعرفي إلى رد فعل دفاعي.
وتفسر هذه الوظيفة الاجتماعية للطقوس سبب عودة بعض الفاعلين إلى مرجعيات تراثية ذات حمولة مغربية واضحة، وفي مقدمتها كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض. فالعودة إلى القاضي عياض لا تؤدي وظيفة نصية فقط، بل تستدعي رأسمالًا تاريخيًا محليًا: عالمًا راسخًا في الذاكرة الدينية المغربية، وكتابًا يرتبط تقليديًا بالدفاع عن مقام النبوة. بذلك يصبح الاستدعاء ذا شرعية مزدوجة: دينية من جهة، ووطنية ـ مذهبية من جهة أخرى. فالفاعل الذي يستند إلى هذه المرجعية لا يقول فقط: «هذا هو حكمي في المسألة»، بل يقول ضمنيًا: «إن موقفي يستند إلى تقليد ديني محلي يشكل جزءًا من التاريخ الرمزي للمجتمع.» وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية إضافية لأنها تتيح تقديم الرد بوصفه امتدادًا للمرجعية المالكية المغربية، وليس باعتباره خطابًا دينيًا وافدًا من خارجها.
لكن استنفار هذه المرجعية يخلق مشكلة أخرى: كيف يمكن التعبير عن الصرامة العقدية من دون أن يتحول الغضب إلى عنف خارج المؤسسات؟ هنا يبدأ الانتقال من الدين إلى القانون.
- من الحكم العقدي إلى الدولة: إعادة توزيع سلطة العقاب
أحد أكثر عناصر القضية دلالة هو التمييز الذي استُعمل بين كفر النوع وكفر العين. يقوم التمييز هنا على إمكان الحكم على قول أو فعل بأنه كفر داخل النظام العقدي، مع الامتناع عن تنزيل الحكم تلقائيًا على الشخص المحدد الذي صدر عنه ذلك القول. يمكن تناول هذا التفريق من داخل العلوم الدينية، لكن ما يعنينا هنا وظيفته في سياق الدولة الحديثة. فهو يسمح للفاعل التقليدي بأن يحتفظ بقدر كبير من الصرامة في تقويم الأقوال، لكنه يضع حدًا قبل الانتقال إلى الحكم الشخصي وما يمكن أن يترتب عليه اجتماعيًا. ويمكن وصف هذا التوازن، باصطلاح «الأكروباتية الفقهية»، شريطة ألا يُفهم باعتباره حكمًا أخلاقيًا على أصحابه. فالمقصود به هنا القدرة على الحركة بين مقتضيين مختلفين: مقتضيات الحراسة العقدية، ومقتضيات النظام القانوني للدولة الحديثة.
وتتضح دلالة ذلك أكثر في رفض «شرع اليد»، أي رفض أن ينتقل الأفراد من الإدانة اللفظية إلى تنفيذ ما يعتبرونه هم عقوبة مستحقة. وهنا يعاد رسم خريطة السلط، حيث يجوز للفاعل الديني، من داخل مرجعيته، أن يصدر تقييمًا دينيًا للقول؛ لكن التحقيق في الشخص والعقاب عليه يصبحان من اختصاص مؤسسات الدولة. بهذا المعنى، يمكن قراءة الظاهرة في ضوء مفهوم ماكس فيبر عن احتكار الدولة للعنف المشروع. فالدولة الحديثة لا تمنع الفاعلين الاجتماعيين من امتلاك أحكام أخلاقية أو دينية، لكنها تحتكر تحويل الحكم إلى عقوبة مادية مشروعة.
وتكشف هذه النقطة عن تطور بالغ الأهمية: الفاعل التقليدي نفسه لم يعد يعمل خارج الدولة، بل داخل هندستها. وحتى عندما يستعمل لغة فقهية قديمة، فهو يعيد ترتيب وظائفها بما يتلاءم مع نظام لا يسمح له بأن يكون في الوقت نفسه واعظًا وقاضيًا ومنفذًا للعقوبة. القول يبقى في المجتمع، أما العقاب فيُفوَّض إلى الدولة. غير أن هذا التفويض لا ينهي المشكلة. بل يفتح سؤالًا جديدًا: ماذا يحدث عندما يحاول المجتمع المدني أن يحمل معه الحكم الديني ذاته إلى قاعة المحكمة؟
- «عسكرة المقدس»: هل يمكن تحويل الفتوى إلى دليل جنائي؟
هذه هي النقطة الأكثر تميزًا في الحالة التي يعالجها المقال. لقد تقدمت جمعية مدنية بمسعى يرمي إلى انتداب مفوض قضائي للتوجه إلى المجلس العلمي الأعلى وطرح أسئلة ذات طبيعة عقدية عليه، تمهيدًا للاستفادة من الأجوبة في المسار المتعلق بالقضية. وبغض النظر عن التفاصيل الإجرائية الدقيقة، التي ينبغي إسنادها في النسخة المنشورة إلى الوثائق القانونية الأصلية، فإن هذا المسعى يكشف عن تصور محدد للعلاقة بين الدين والقضاء: أن تقول المؤسسة الدينية الرسمية ما إذا كان القول المعروض عليها مخالفًا للدين، ثم ينتقل هذا الحكم إلى المحكمة ليكتسب وظيفة إثباتية. يمكن وصف هذه العملية بـ«عسكرة المقدس.» ولتوضيح هذا المصطلح، نشير إلى أن المقصود به ليس «عسكرة الدين» سياسيًا، ولا تحويل المؤسسة الدينية إلى جهاز عسكري، وإنما تغيير وظيفة الحكم الديني من أداة للإرشاد والتقويم العقدي إلى أداة يجري توظيفها داخل خصومة قضائية بهدف تعزيز موقف أحد أطرافها.
فالفتوى تعمل، في سياقها الديني الأصلي، ضمن علاقة مختلفة عن علاقة القاضي بالمتهم. إنها تجيب عن سؤال ديني، وتوجه الاعتقاد أو السلوك من داخل منظومة معيارية. أما الحكم الجنائي فيؤدي وظيفة مختلفة: يقرر مسؤولية شخص محدد وتترتب عليه آثار قانونية قسرية. والانتقال من المجال الأول إلى الثاني ليس انتقالًا بريئًا من وسيط إلى آخر؛ إنه يغير طبيعة الفتوى ذاتها. فإذا طلب طرف من أعلى مؤسسة دينية في البلد أن تقول إن رأيًا معينًا مخالف للعقيدة، ثم نقل جوابها إلى المحكمة، فإن الوزن الرمزي للمؤسسة يمكن أن يتحول عمليًا إلى ضغط على عملية التقدير القضائي. عندها لا يبقى الحكم الديني مجرد رأي ذي سلطة معنوية، بل يصبح مادة في صناعة الإدانة. من هنا تأتي دلالة «العسكرة». إنها تحويل مورد رمزي وروحي إلى سلاح داخل صراع قانوني.
لكن قبول هذا المسار يطرح مفارقة أخرى لا تقل أهمية: إذا دخلت الفتوى المحكمة بوصفها خبرة، فإنها لن تستطيع الاحتفاظ بموقعها نفسه خارج المحكمة.
- الحياد الإجرائي: لماذا ليست الفتوى خبرة جنائية؟
قد يبدو الاعتراض بسيطًا: أليست المؤسسة الدينية خبيرة في الدين؟ وإذا كان القاضي يستدعي خبيرًا في الخطوط في قضية تزوير، وخبيرًا محاسبيًا في قضية مالية، فلماذا لا يستدعي المؤسسة الدينية بوصفها «خبيرًا» عندما يتعلق النزاع بالدين؟
هذا القياس مغرٍ، لكنه يخفي اختلافًا بنيويًا. فالخبير التقني يقدم عادة معرفة تتعلق بمعطيات يمكن فحصها وفق قواعد تخصصه، مثل التوقيع، والحسابات، والآثار المادية، والتسلسل المالي، وما إلى ذلك. ولا يعني ذلك أن الخبرة التقنية معصومة أو غير قابلة للنقاش، لكنها تعمل في مجال موضوعي يمكن أن تخضع نتائجه للمراجعة بواسطة خبرة أخرى وأدوات محددة. أما الفتوى، فهي حكم داخل نظام معياري وتأويلي. وعندما تدخل المحكمة بوصفها خبرة، فإنها تخضع منطقيًا للقواعد نفسها التي تخضع لها الخبرة: يمكن مناقشتها، والاعتراض عليها، واستدعاء رأي مضاد، وفحص منطلقاتها ومدى حجيتها. وهنا تظهر المفارقة:
إذا كان الهدف من استدعاء المؤسسة الدينية هو الاستفادة من هيبتها بوصفها مرجعية عليا، فإن إدخالها إلى الخصومة القضائية قد يؤدي، في الوقت نفسه، إلى تحويل رأيها إلى وثيقة يتجادل فيها المحامون كما يتجادلون في أي عنصر آخر من عناصر المل، ومن ثم فإن إبقاء المجلس العلمي خارج موقع «الخبير الجنائي» لا يحمي القضاء وحده، بل قد يحمي أيضًا هيبة المؤسسة الدينية نفسها من أن تصبح طرفًا متنازعًا عليه في خصومات الأفراد.
ونطلق على هذا المبدأ اسم «الحياد الإجرائي»، بمعنى أن القضاء لا يحتاج إلى أن يقرر من هو صاحب العقيدة الصحيحة حتى يؤدي وظيفته. فمهمته هي تطبيق القانون وفق الوقائع والأدلة والعناصر التي تدخل ضمن اختصاصه. وتتضح أهمية هذا الأمر بصورة أكبر عند مسألة القصد الجنائي:
فحتى لو اعتبرت جهة دينية أن قولًا ما مخالف للعقيدة، فهذا لا يكفي وحده لإثبات أن صاحبه ارتكب جريمة. فالمسؤولية الجنائية تتعلق أيضًا بالسياق والنية والوقائع والملابسات التي يتعين على القضاء تقديرها، ولا يمكن لفتوى أن تحل محل هذه العملية. وهنا يحمي الفصل بين الحقلين سلطتين في آن واحد: يحمي المحكمة من أن تصبح مجرد منفذ لحكم عقدي سابق، ويحمي المؤسسة الدينية من أن تصبح ذراعًا لإثبات التهم داخل الخصومة الجنائية. ولذلك لا يبدو «الحياد الإجرائي» حيادًا تجاه الدين، وإنما تحديدًا لوظائف المؤسسات. فالدولة تستطيع أن تكون لها سياسة دينية ومرجعية رسمية، من دون أن يعني ذلك أن المحكمة تتحول إلى مجلس عقيدة.
- الأمن الروحي و«السكوت الواعي»: الرد من دون صناعة الخصم
إذا كان القضاء قد وضع حدًا وظيفيًا بين المحكمة والمؤسسة الدينية، فإن ذلك لا يعني أن الأخيرة امتنعت عن التدخل في المجال العام. فقد تم إلقاء خطبة الجمعة موحدة في جميع مساجد المغرب تحت عنوان «الرسول مربيا ومعلما»، تناولت القضية من خلال إعادة تثبيت الرؤية الدينية الرسمية، من دون ذكر محمد الفايد بالاسم.
هذه الاستراتيجية تستحق النظر إليها بوصفها شكلًا من أشكال الاتصال المؤسساتي، وليس باعتبارها مجرد تفصيل بلاغي، يمكن تسميته بـ «السكوت الواعي»، والمقصود بالسكوت هنا هو عدم ذكر الشخص لا الفكرة. فالرد موجود، لكن المؤسسة ترفض تحويل صاحبه إلى مخاطَب مباشر. سوسيولوجيًا، يمكن اعتبار أن لهذا الاختيار وظيفة واضحة؛ فلو ذكرت مؤسسة ذات انتشار وطني شخصًا بعينه عبر آلاف المنابر، لتجاوزت انتقاده إلى الاعتراف به بوصفه خصمًا بالحجم الذي يستحق أن تتحرك المؤسسة بكاملها ضده. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى إنتاج ما يمكن تسميته «كاريزما الضحية.» فالفاعل الرقمي يستطيع عندئذ أن يعيد سرد الواقعة باعتبارها مواجهة بين فرد وبين جهاز مؤسساتي ضخم، وهو خطاب شديد القابلية للانتشار في ثقافة المنصات، لأن سردية «الشخص الذي تحاربه المؤسسة» من أكثر السرديات قدرة على صناعة التفاعل.
أما عندما ترد المؤسسة على الفكرة من دون ذكر صاحبها، فهي تحاول حرمانه من هذه الزيادة المجانية في رأس المال الرمزي. بيد أن للسكوت الواعي وظيفة ثانية، ربما تكون أهم، وهي منع المسجد من التحول إلى حلقة إضافية في سلسلة الجدل الرقمي. فالمسجد، داخل التصور المؤسسي هو فضاء لإعادة إنتاج المشترك الديني والسكينة الجماعية. وإذا ما انتقلت إليه أسماء المؤثرين وخصوماتهم الأسبوعية، فقد يصبح المنبر نفسه تابعًا لإيقاع يوتيوب وفيسبوك بدل أن يحافظ على إيقاعه الخاص. وهنا نعود إلى مفهوم «الرابط الاجتماعي.» فالرد موجه ليس فقط إلى المتحدث، بل إلى الجماعة التي تعرَّض جزء من يقينها المشترك للاهتزاز. بهذا المعنى، فوظيفة الخطاب الرسمي هي إعادة تثبيت المشترك أكثر مما هي الانتصار على خصم بعينه.
وهذا أحد معاني مفهوم الأمن الروحي في السياق الذي يهمنا. فالأمن الروحي لا يتعلق فقط بصحة معتقد فردي، بل بإدارة مجال ديني تشترك فيه مؤسسات ورموز وطقوس ومرجعيات، وتسعى الدولة إلى الحفاظ على قدر من الاستقرار داخله.
ويمكن هنا الحديث عن نوع من الهضم (أو الامتصاص) المؤسساتي للأزمة. فالجدل بدأ في بيئة رقمية شديدة السيولة، ثم تلقته المؤسسات ووزعته على وظائف مختلفة: القضاء ضبط الجانب القانوني، والمؤسسة الدينية عالجت الجانب الرمزي والعقدي، والمنبر الرسمي أعاد تثبيت المشترك من دون أن يتحول إلى ساحة خصومة شخصية. إن «الهضم» هنا ليس إلغاءً للخلاف، بل هو تحويله من حالة يصعب التحكم فيها إلى مسارات مؤسساتية أكثر قابلية للضبط.
غير أن نجاح هذه الهندسة في التعامل مع فاعل بشري لا يعني بالضرورة أنها ستظل كافية أمام التحول التقني المقبل.
خاتمة: من محاكمة الإنسان إلى إشكال السيادة الروحية الخوارزمية
تسمح قضية محمد الفايد بفهم الطريقة التي تدير بها الدولة الحديثة احتكاكًا حساسًا بين المقدس والقانون:
فهي تكشف أولًا أن الطقوس الدينية لا يمكن اختزالها في أفعال تعبدية فردية، لأنها تؤدي أيضًا وظائف في إنتاج الهوية والتضامن، وهو ما يفسر شدة رد الفعل عند المساس بها.
وتكشف ثانيًا أن الفاعلين التقليديين أعادوا تكييف أدواتهم مع منطق الدولة، فاحتفظوا بحقهم في التقويم الديني، لكنهم أحالوا سلطة العقاب إلى المؤسسات.
وتكشف ثالثًا أن محاولة إدخال الفتوى إلى المحكمة بوصفها أداة إثبات تضع المؤسسة الدينية والقضاء معًا أمام مخاطر تداخل الوظائف: فقد يصبح القاضي منفذًا للحكم العقدي، وقد تتحول الفتوى نفسها إلى تقرير قابل للمناقشة والطعن داخل الخصومة. ومن هنا تبرز أهمية الحياد الإجرائي: ليس بوصفه إقصاءً للدين، وإنما بوصفه حمايةً للحدود بين أنظمة مختلفة لإنتاج الحكم.
أما استراتيجية «السكوت الواعي»، فتكشف أن إدارة المجال الديني في عصر المنصات لم تعد تقوم فقط على ما تقوله المؤسسة، بل أيضًا على ما تختار ألا تقوله، ومن تختار ألا تسميه. فالسلطة في البيئة الرقمية أصبحت مرتبطة أيضًا بإدارة الانتباه.
لكن الجزء الأكثر استشرافًا في القضية يبدأ عندما نسأل عما سيحدث إذا اختفى الفاعل البشري الواضح. فحتى الآن، تستطيع الدولة أن تتعامل مع شخص محدد: له اسم، ومكان، ومسار، وأقوال يمكن نسبتها إليه، ويمكن للقضاء بحث ملابسات أفعاله وقصده وفق القواعد المعمول بها. أما الأنظمة التوليدية فتغير عناصر المعادل، إذ يمكن لنظام ذكاء اصطناعي موجود على خوادم خارج البلد أن ينتج تأويلًا دينيًا لمستخدم مغربي، ثم ينتشر النص عبر شبكات لا تتقيد بالحدود السياسية أو المذهبية. عندها تظهر أسئلة لا يحلها النموذج التقليدي بسهولة:
من هو صاحب القول؟ هل هو المستخدم الذي طلبه، أم الشركة التي صنعت النموذج، أم البيانات التي دُرِّب عليها، أم النظام الذي ولده إحصائيًا؟ وأين يوجد الفاعل الذي يفترض أن تنسب إليه المسؤولية؟ وكيف يمكن تطبيق مفاهيم قانونية تقوم على القصد البشري على مخرجات لا تمتلك هي نفسها قصدًا أو إرادة؟
هذه الأسئلة لا تعني أن القانون يصبح بلا حول أمام التكنولوجيا، لكنها تشير إلى أن مفهوم المسؤولية سيحتاج إلى إعادة بناء عندما تتوزع عملية إنتاج الخطاب بين الإنسان والمنصة والنموذج والبيانات. وهنا قد يطرأ تحول أعمق على مفهوم الأمن الروحي ذاته. فإذا كان النموذج التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على تصحيح الخطاب بعد ظهوره، أو محاسبة صاحبه عندما يخالف القانون، فإن البيئة الخوارزمية قد تدفع باتجاه التركيز أكثر على المناعة المعرفية، بمعنى أن قدرة المؤسسة لن تقاس فقط بما تستطيع منعه، بل بقدرتها على إنتاج معرفة سريعة وموثوقة ومقنعة، وبناء أدوات رقمية تسمح لها بالحضور داخل البيئة التي يتشكل فيها السؤال الديني أصلًا. وفي هذه النقطة يلتقي القانون بالدين بالتقنية. فالسيادة الروحية في المستقبل قد لا تكون مجرد سلطة على المجال الترابي، لأن جزءًا متزايدًا من إنتاج المعنى يجري خارج الحدود. وقد لا تكون مجرد سلطة على الأشخاص، لأن منتج المحتوى لن يكون دائمًا شخصًا يمكن تحديده بسهولة. لذلك يصبح التحدي هو الانتقال من سيادة تقوم أساسًا على المنع والعقاب إلى سيادة تعتمد بدرجة أكبر على الثقة والمناعة والقدرة على إنتاج المعنى. وهذا ربما هو الدرس الأوسع الذي تسمح هذه النازلة باستخلاصه. فالقضية التي بدت في بدايتها خصومة حول أقوال دينية تكشف، عند تفكيكها، عن أسئلة تمس جوهر الدولة الحديثة: أين تنتهي سلطة الفتوى وتبدأ سلطة القاضي؟ كيف يمكن حماية المقدس من دون تحويل القضاء إلى أداة عقدية؟ وكيف تحافظ المؤسسة الدينية على مكانتها من دون أن تصبح طرفًا في كل صراع تصنعه الخوارزميات؟
والسؤال الذي يلوح في الأفق لا يتعلق بمحمد الفايد وحده، ولا حتى بالفتوى وحدها: كيف ستُمارَس السيادة الروحية عندما يصبح جزء متزايد من إنتاج المعنى الديني عابرًا للحدود، مولَّدًا خوارزميًا، ولا يمكن ربطه بسهولة بفاعل بشري واحد؟ قد تكون قضية اليوم، بهذا المعنى، مجرد مقدمة لمعضلة الغد.
—————–
قائمة المصادر والمراجع المعتمدة:
أولاً: المراجع السوسيولوجية والأنثروبولوجية التأسيسية (الأطروحات النظرية)
- Bourdieu, P. (1986). The Forms of Capital. In J. Richardson (Ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education (pp. 241-258). Greenwood Press.
- Bourdieu, P. (2001). Langage et pouvoir symbolique. Préface de John B. Thompson, Paris, éditions du Seuil, Collection Points.
- Dale F. Eickelman & Jon W. Anderson (1999), New Media in the Muslim World: The Emerging Public Sphere (Indiana Series in Middle East Studies) Second Edition.
- Nelson-Field, K. (2020). The Attention Economy: A Category Blueprint (Tactical Advice for Marketers). Palgrave Macmillan.
- باومان، زيجمونت (2016). الحداثة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر، تقديم: هبة رءوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت.
- فيبر، ماكس (2015) الاقتصاد والمجتمع. الاقتصاد والأنظمة الاجتماعية والقوى المخلفات. السيادة، ترجمة: محمد التركي، بيروت.
ثانياً: النصوص التشريعية والوثائق الرسمية والقضائية (المملكة المغربية)
- مجموعة القانون الجنائي المغربي:
- الفصل 267-5 (الخاص بتجريم الإساءة إلى الدين الإسلامي أو الأنبياء والرسول بواسطة الخطب أو الصياح أو الكتابة أو وسائل النشر الرقمية والإلكترونية) 147، 148.
- قانون المسطرة المدنية المغربي الجديد:
- المادة 225 من القانون رقم 25 (الذي دخل حيز التنفيذ في غشت 2026)، والمعتمد كمرجع في صيانة الحدود بين الاختصاص القضائي المدني وهيئات الإفتاء الرسمية 4، 148.
- القرارات القضائية:
- حكم المحكمة الابتدائية بالرباط (قضاء المستعجلات)، الصادر بتاريخ 2 سبتمبر 2026، في الملف الاستعجالي الرامي إلى انتداب مفوض قضائي لاستجواب المجلس العلمي الأعلى 3، 4.
- الوثائق الدينية الرسمية:
- خطبة الجمعة الموحدة الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالتنسيق مع المجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية، بعنوان: «الرسول ﷺ مربياً ومعلماً»، الموجهة للإلقاء في عموم مساجد المملكة بتاريخ 4 سبتمبر 2026 5، 146.
ثالثاً: التقارير الصحفية والتحليلات الرقمية المصاحبة للأزمة (شتنبر 2026)
- جريدة مدار21 الإلكترونية:
- “تحرك قانوني ضد الفايد على خلفية تصريحاته حول الرسول محمد”، تقرير إخباري منشور بتاريخ 1 سبتمبر 2026 13.
- وكالة آش نيوز (H-NEWS):
- ““الرسول مربيا ومعلما”.. الأوقاف تحسم موقفها من أمية النبي بعد جدل الفايد”، تغطية إعلامية منشورة بتاريخ 4 سبتمبر 2026 تشرح الموقف الرسمي للدولة 30.
- جريدة أخبارنا المغربية:
- “جمعية حقوقية بتطوان تجر الدكتور الفايد للقضاء بتهمة الإساءة للرسول”، تغطية خاصة بملف الشكاية القضائية المنشورة بتاريخ 3 سبتمبر 2026 16.
- “على خلفية الجدل حول تدوينات الفايد.. الأوقاف تدخل على الخط وتكشف ما ستتناوله خطبة الجمعة”، تقرير منشور بتاريخ 3 سبتمبر 2026 19.
رابعاً: التوثيقات والمناظرات السمعية البصرية (منصات يوتيوب وتيك توك)
- منصة يوتيوب – قناة الكاتب رشيد أيلال:
- “أسرار اللقاء بين الرمضاني وأيلال والفايد” (بث مرئي يوثق ديناميات تكتل لقاء بنسليمان التنويري وإعادة تشكيل جبهات التحديث الفكري البديل).
- منصة يوتيوب – قناة قراء وعلماء المغرب الأقصى:
- “هكذا رد الدكتور رشيد نافع على الفايد الذي تطاول على الجناب النبوي الشريف وهذا ما طالب به” (تسجيل مرئي يوثق استدعاء التراث المالكي الوطني ومفهوم الذود عن الجناب النبوي).
- منصة يوتيوب – القناة الرسمية للشيخ محمد الفزازي:
- “الشيخ الفزازي يرفع الشكوى بمحمد الفايد ورشيد أيلال إلى حامي الملة والدين” (تسجيل يوضح الاستقواء الرمزي بمؤسسة إمارة المؤمنين والخطاب الملكي حول التكفير).
- “الميلودي/ د. رشيد نافع/ القضاء هو الجهة الوحيدة لمعاقبة الفايد” (حوار مرئي يعكس مأسسة الدفاع والقبول بالمسار القضائي الوضعي كبديل للعنف الفردي).
- قناة ناصر تي في:
https://www.youtube.com/@Nacertv94
- قناة د. رشيد نافع Dr Rachid Nafi
https://www.youtube.com/@DrRachidNafi
- قناة د. إدريس الكنبوري:
(1) Driss elganbouri قناة الدكتور إدريس الكنبوري – YouTube
- قناة د. العمري:
https://www.youtube.com/@elamri.page.officielle











عذراً التعليقات مغلقة