(مقال مولد بالذكاء الاصطناعي)
مدخل: هل يبدأ الأدب من لعب الأطفال؟
قد يبدو السؤال صادمًا للوهلة الأولى: هل يمكن أن يكون الأدب، بكل ما يحمله من تعقيد لغوي وجمالي ورمزي، امتدادًا بعيدًا للعب طفل صغير؟ كيف يمكن أن نضع رواية كبرى، أو قصيدة عظيمة، أو مسرحية خالدة، في علاقة نسب نفسي مع طفل يبني قصرًا من المكعبات، أو يحرّك دمية، أو يخترع عالمًا مصغرًا لا يراه سواه؟
هذا السؤال، في صيغته الفرويدية، لا يهدف إلى تحقير الأدب أو اختزاله في نشاط طفولي ساذج، بل إلى الكشف عن أصل نفسي عميق للإبداع الفني. ففرويد لا ينظر إلى اللعب باعتباره لهوًا فارغًا، ولا إلى الأدب باعتباره زينة ثقافية منفصلة عن الرغبة، بل يرى في كليهما نشاطًا نفسيًا خلاقًا يقوم على بناء عالم بديل، وعلى تحويل الرغبات والصراعات الداخلية إلى صور، وحكايات، وشخصيات، ومتعة جمالية.
إن الطفل، حين يلعب، لا يكون في حالة عبث. إنه يأخذ لعبه بجدية تامة، ويستثمر فيه قدرًا كبيرًا من العاطفة. لكنه، في الوقت نفسه، يميّز بين عالم اللعب وعالم الواقع. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: نقيض اللعب ليس الجد، بل الواقع. فالطفل يلعب بجدية، ولكنه يعرف، في أعماقه، أن عالمه الخيالي ليس هو العالم الواقعي. ومن هذه النقطة يبدأ فرويد في بناء ربطه بين الطفل والكاتب.
- اللعب بوصفه خلقًا لعالم بديل
ينطلق فرويد من ملاحظة بسيطة لكنها حاسمة: الطفل لا يكتفي بتلقي العالم كما هو، بل يعيد ترتيبه وفق رغباته. إنه يخلق عالمًا خاصًا به، يحرّك فيه الأشياء والشخصيات كما يشاء، ويعيد توزيع الأدوار والعلاقات والقوى. في هذا العالم المصغر يصبح الطفل سيدًا، ومخرجًا، ومؤلفًا، وممثلًا في الوقت نفسه.
لكن هذا العالم الخيالي لا ينفصل كليًا عن الواقع. فالطفل يحتاج دائمًا إلى دعامات مادية يستند إليها خياله: مكعب، دمية، عصا، قطعة قماش، أو أي شيء بسيط يمكن أن يتحول في لعبه إلى قصر، أو حصان، أو مملكة، أو كائن حي. إن الخيال الطفولي لا يعمل في الفراغ، بل يشتغل على عناصر واقعية، يقتطعها من العالم، ثم يعيد شحنها بدلالات جديدة.
وهنا تظهر القرابة العميقة بين الطفل والكاتب. فالكاتب بدوره يخلق عالمًا متخيلًا، لكنه لا يخلقه من العدم، بل يستعير من الواقع أمكنة، وأحداثًا، وانفعالات، وذكريات، وصراعات، ثم يعيد تشكيلها داخل نص أدبي. بالتالي، فالكلمات، والشخصيات، والمواقف، والأزمنة، تقوم في الأدب بالدور نفسه الذي تقوم به المكعبات والدمى في لعب الطفل: إنها دعامات يعلق عليها الخيال رغباته وصراعاته.
بهذا المعنى، فالأدب ليس ابتعادًا عن الطفولة، بل استمرارًا رمزيًا لها. غير أن الطفل يلعب علنًا، بينما يكتب الكاتب داخل نظام ثقافي وجمالي أكثر تعقيدًا. الطفل يخلق عالمه مباشرة، أما الكاتب فيمر عبر اللغة، والأسلوب، والبناء، والتمويه الفني.
- من اللعب إلى أحلام اليقظة
إذا كان اللعب يحتل هذه المكانة المركزية في حياة الطفل، فلماذا يتخلى البالغ عن اللعب؟ يجيب فرويد: الإنسان لا يتخلى حقًا عن متعة قديمة، بل يستبدلها. فما يبدو تخليًا عن اللعب ليس إلا انتقالًا من اللعب الخارجي المرئي إلى لعب داخلي صامت. هذا اللعب الجديد هو أحلام اليقظة.
البالغ لا يبني قصورًا بالمكعبات، لكنه يبني قصورًا في الهواء. لا يحرّك الدمى أمام الآخرين، لكنه يخلق في داخله مشاهد خيالية يكون هو بطلها. غير أن الفارق الجوهري بين الطفل والبالغ يكمن في علاقة كل منهما بخياله. الطفل لا يخجل من لعبه، لأن دوافعه تبدو بريئة ومقبولة: إنه يريد أن يكبر، أن يقلد الكبار، أن يجرب الأدوار. أما البالغ فيخجل من أحلام يقظته، لأنها غالبًا ما تكشف رغبات أنانية أو طموحات مفرطة أو دوافع إيروتيكية لا يريد أن يراها الآخرون.
من هنا تأتي إحدى أشهر صيغ فرويد في هذا السياق: الإنسان السعيد لا يتخيل، بل المحروم فقط. فالخيال لا ينبع من الامتلاء، بل من النقص. إن الحلم، سواء كان حلم نوم أو حلم يقظة أو عملًا أدبيًا، ينشأ غالبًا من رغبة لم تجد إشباعها في الواقع. وحين يعجز الواقع عن منح الرغبة موضوعها، يتدخل الخيال ليبني لها مسرحًا بديلًا.
- الأزمنة الثلاثة لحلم اليقظة
لا يتشكل حلم اليقظة بصورة عشوائية. إنه، في المنظور الفرويدي، نسيج نفسي يربط بين ثلاثة أزمنة: الحاضر، والماضي، والمستقبل. يبدأ الأمر غالبًا بانطباع حالي يوقظ رغبة كامنة. قد يكون هذا الانطباع مشهدًا، أو كلمة، أو إحساسًا بالحرمان، أو تجربة إذلال، أو لحظة إعجاب. هذا الحاضر لا يعمل وحده، بل يستدعي ذكرى ماضية ارتبطت يومًا بإشباع الرغبة ذاتها.
ثم يأتي الزمن الثالث: المستقبل. يقوم الخيال ببناء مشهد مستقبلي تتحقق فيه الرغبة التي حُرمت في الحاضر، مستندة إلى طاقة إشباع قديم محفوظ في الذاكرة. هكذا ينتقل الحلم من الحاضر المحروم، إلى الماضي المشبع، ثم إلى المستقبل المتخيل. إنه لا يهرب من الزمن، بل يعيد تركيبه بطريقة تحقق للرغبة ما لم تستطع الحياة الواقعية أن تمنحه.
يمكن أن نتصور موظفًا يشعر بالتهميش حين يرى زميلًا ينال التقدير. هذا الانطباع الحالي يوقظ فيه رغبة في الاعتراف. تعود الذاكرة إلى لحظة طفولية كان فيها مركز الاهتمام والحب. ثم يبني الخيال مشهدًا مستقبليًا يصبح فيه هذا الموظف بطلًا منقذًا أو مديرًا عامًا أو شخصية محبوبة من الجميع. هذه البنية النفسية نفسها، بعد التهذيب الفني، يمكن أن تتحول إلى مادة أدبية.
- السر المهني للكاتب: اللذة التمهيدية
لكن هنا تظهر مشكلة أساسية: إذا كان الأدب امتدادًا لأحلام اليقظة، وإذا كانت أحلام اليقظة غالبًا أنانية أو إيروتيكية، فلماذا لا نشعر بالنفور من الأدب كما قد نشعر بالنفور لو روى لنا شخص غريب أوهامه الخاصة بلا حجاب؟
يجيب فرويد بأن الكاتب يمتلك سرًا مهنيًا: إنه لا يقدم خيالاته في صورتها الخام، بل يخفف من أنانيتها، ويخفي مصادرها الشخصية، ويغلفها بجمال فني. إن الشكل الأدبي، بما يقدمه من إيقاع، وصور، وتشويق، وبناء سردي، يعمل بوصفه “لذة تمهيدية”. هذه اللذة الأولى تشبه “رشوة جمالية” يقدمها الكاتب للقارئ، لكي يسمح له بالدخول إلى عالم الرغبات المكبوتة دون مقاومة أو اشمئزاز.
فالكاتب لا يقول للقارئ: تعال كي أفرض عليك أوهامي الخاصة. بل يقول له ضمنيًا: تعال كي تستمتع بجمال الحكاية، وبلاغة اللغة، وفتنة الصورة. وحين يستسلم القارئ لهذه اللذة الشكلية، ينفتح داخله مجال أعمق، حيث يجد في النص صدى لرغباته هو، لا لرغبات الكاتب وحده.
وهنا تتحول القراءة إلى لقاء بين لاشعورين: لاشعور الكاتب ولاشعور القارئ. إننا لا نستمتع بالعمل الأدبي لأنه يعبّر عن صاحبه فقط، بل لأنه يتيح لنا أن نستمتع، بأمان، بشيء من رغباتنا نحن. إنه يمنحنا حقًا مؤقتًا في الحلم، دون أن نتحمل شعور الذنب المرتبط بهذا الحلم.
- غوته وذكرى رمي الصحون
لا يكتفي فرويد بالتأمل النظري في علاقة اللعب بالأدب، بل ينتقل إلى مثال سريري/أدبي دال: ذكرى طفولة غوته كما رواها في سيرته الشعر والحقيقة. يذكر غوته أنه، حين كان طفلًا، استغل انشغال والدته، فأخذ يرمي الصحون والأواني من النافذة، مستمتعًا بصوت تحطمها في الشارع.
قد تبدو الحادثة، في ظاهرها، مجرد شقاوة طفولية أو متعة بريئة بالتكسير. لكن التحليل النفسي يرفض الاكتفاء بهذا السطح. فالسؤال ليس فقط: ماذا فعل الطفل؟ بل: لماذا احتفظت الذاكرة بهذا الفعل؟ ولماذا دوّنه غوته، بعد أن أصبح أديبًا كبيرًا، بوصفه ذكرى ذات قيمة؟
يربط فرويد هذه الذكرى بسياق عائلي دقيق: ولادة أخ أصغر لغوته في الفترة نفسها تقريبًا. هنا يصبح رمي الصحون فعلًا رمزيًا. فالطفل، الذي يشعر بأن الوافد الجديد يهدد مكانته في حب الأم، لا يستطيع التعبير لغويًا عن غيرته وعدوانيته. لذلك يلجأ إلى فعل حركي: يرمي الأشياء من النافذة. إن الصحون ليست هي الموضوع الحقيقي للعدوان، بل بديل رمزي عن المنافس الجديد.
بهذا المعنى، يصبح رمي الصحون فعلًا سحريًا: كأن الطفل يقول، بلا كلمات، “أخرجوا هذا الدخيل من البيت”. إنه لا يستطيع رمي الأخ، فيرمي أشياء بديلة. إن الحركة الجسدية تخفي رغبة لاشعورية في إزاحة المنافس والاستئثار بحب الأم.
- الغيرة الأخوية والكتابة بوصفها أثرًا للانتصار
تزداد الدلالة قوة حين نعلم أن الأخ الأصغر لغوته مات في طفولته المبكرة، وأن غوته لم يظهر حزنًا كبيرًا على موته. لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الطفل كان مسؤولًا عن الموت، بل يعني أن لاشعوره سجّل الحدث بوصفه انتصارًا رمزيًا: لقد اختفى المنافس، وبقي الطفل في موقع الامتياز العاطفي.
من هنا يمكن قراءة احتفاظ غوته بذكرى رمي الصحون لا بوصفها نكتة طفولية، بل بوصفها أثرًا من آثار “الانتصار” الطفولي. إنها لحظة مبكرة شعر فيها الأنا بأنه قادر، ولو سحريًا، على إزاحة ما يهدده. وربما كانت هذه النواة النرجسية، في نظر التحليل النفسي، جزءًا من الطاقة التي تغذي الإبداع اللاحق: الرغبة في أن يكون الأنا مركزًا، محط أنظار، قادرًا على إعادة ترتيب العالم وفق خياله.
غير أن الأدب لا يكرر هذه الرغبة في شكلها الخام، بل يهذبها، يموّهها، ويحوّلها إلى عمل جمالي. وهنا يكمن الفرق بين الطفل الذي يرمي الصحون، والكاتب الذي يكتب نصًا. كلاهما يستجيب لرغبة داخلية، لكن الأول يفعل ذلك بحركة مباشرة، والثاني يحوّل الحركة إلى لغة، والصراع إلى حكاية، والغيرة إلى أثر فني.
- الأدب كمسرح مقبول للرغبات المكبوتة
تكشف القراءة الفرويدية أن الأدب ليس مجرد بناء لغوي مستقل، ولا مجرد انعكاس للواقع الاجتماعي، بل هو أيضًا مسرح للرغبات المبكرة. إنه يسمح بعودة ما تم كبته، لكن في صورة مقبولة اجتماعيًا وجماليًا. فالكاتب لا يصرخ برغباته، بل يوزعها على شخصيات، ومواقف، وأحداث. والقارئ لا يعترف مباشرة برغباته الخاصة، لكنه يعيشها من خلال النص.
بهذا المعنى، يكون الأدب أحد أكثر أشكال التسوية النفسية تعقيدًا: إنه يتيح للرغبة أن تظهر دون أن تفضح نفسها. يسمح للأنانية بأن تتنكر في شكل بطولة، وللعدوان بأن يظهر في شكل صراع درامي، وللرغبة الإيروتيكية بأن تتخفى في صورة حب، وللغيرة الطفولية بأن تتحول إلى حبكة، ومفارقة، ومأساة، وكوميديا.
لا يعني ذلك أن كل عمل أدبي يمكن اختزاله في عقدة طفولية واحدة. فالتحليل النفسي لا يلغي البعد الجمالي، ولا الاجتماعي، ولا التاريخي للنص. لكنه يضيف طبقة قراءة أخرى، ترى في العمل الفني أثرًا لصراعات مبكرة، ورغبات مؤجلة، وأحلام يقظة تحولت إلى أدب.
خاتمة: هل ما زلنا نرمي الصحون من النافذة؟
تضعنا قراءة فرويد أمام سؤال مزعج ومثمر في آن واحد: إذا كان الأدب امتدادًا للعب الطفل وأحلام يقظة البالغ، فما الذي نبحث عنه حين نقرأ؟ هل نبحث فقط عن الجمال والمعرفة، أم نبحث أيضًا عن طريقة آمنة للعودة إلى رغبات لم نعترف بها، وحرمان لم نتجاوزه، وصراعات طفولية ما زالت تعمل فينا بصمت؟
إن قوة الأدب، في هذا المنظور، لا تكمن فقط في أنه يبتكر عوالم خيالية، بل في أنه يجعل هذه العوالم صالحة للسكن النفسي. يمنحنا الحق في أن نحلم دون عار، وأن نرغب دون اعتراف مباشر، وأن نعيش انتصاراتنا الصغيرة والمحرمة داخل مسرح اللغة.
ولعل السؤال الأخير الذي تتركه هذه القراءة مفتوحًا هو: حين ننجذب إلى عمل أدبي ما، أو إلى شخصية بعينها، أو إلى مشهد فني يربكنا ويأسرنا، فهل نكون أمام جمال خارجي فقط، أم أمام صدى داخلي لطفل قديم فينا، ما زال، بطريقة أو بأخرى، يرمي الصحون من النافذة؟
مراجـع:
- Bellemin-Noël, Jean, Psychanalyse et littérature, Paris, PUF, coll. « Que sais-je ? », 1983.
- Bayard, Pierre, Peut-on appliquer la littérature à la psychanalyse ?, Paris, Les Editions de Minuit, 2004 by LES ÉDITIONS DE MINUIT pour l’édition papier, 2012 by l’édition électronique.
- Freud, Sigmund, Le créateur littéraire et la fantaisie, in L’Inquiétante étrangeté et autres essais, Paris, Gallimard, coll. « Folio essais ».
- Freud, Sigmund, Un souvenir d’enfance dans Fiction et Vérité de Goethe, Traduit de l’Allemand par Marie Bonaparte et Mme E. Marty, 1933, InLibroVritas.net, Collection Sciences humaines.
- Freud, Sigmund, L’Interprétation du rêve, traduit de l’allemand et présenté par Jean-Pierre Lefebvre, Éditions du Seuil, janvier 2010.
- Goethe, Johann Wolfgang von, Mémoires de Goethe, traduction nouvelle par Jacques Porchat, Librairie de L. Hachette et Cie ; Vérité et poésie, Librairie de L. Hachette et Cie, Paris, 1862, exporté de Wikissource le 31/08/219.











عذراً التعليقات مغلقة