مدخل
لا يضعنا كتاب الفقدان: مذكرات الشيزوفريني لمحمد أسليم أمام نصٍّ يسهل تصنيفه داخل خانة أجناسية مستقرة؛ فهو ليس رواية بالمعنى التقليدي، ولا سيرة ذاتية مرضية، ولا ملفًا سريريًا عن الفصام، ولا اعترافًا نفسيًا قابلاً للاختزال في أعراض قابلة للتشخيص. إنه، بالأحرى، نصٌّ يقيم في منطقة تخوم: تخوم السرد والفلسفة، تخوم الاعتراف والهذيان، تخوم الكتابة والاحتضار، وتخوم الذات حين تفقد ثقتها في صلابتها القديمة.
تنبع قوة هذا النص من أنه لا يتعامل مع الجنون بوصفه عطبًا خارجيًا يصيب الذات من خارجها، بل بوصفه تجربة كاشفة؛ أي بوصفه عدسة قصوى تتيح رؤية ما تحجبه العقلانية اليومية عن نفسها. فالوعي السليم، في صورته الاجتماعية المطمئنة، لا يعيش غالبًا إلا داخل هندسة جاهزة: اسمٌ يثبت الهوية، لغةٌ تنظّم العالم، جسدٌ يبدو متماسكًا، زمنٌ يسير في اتجاه واحد، وموتٌ مؤجلٌ ينتظر في آخر الطريق، وما إلى ذلك. أما في كتاب الفقدان، فإن هذه الهندسة كلها تتصدع إذ لا يعود الاسم ضمانة للذات، ولا اللغة أداة شفافة للتواصل، ولا الجسد بيتًا مأمونًا، ولا الموت حدثًا مستقبليًا بعيدًا. كل شيء ينكشف من الداخل بوصفه هشاشة.
من هنا، لا ينبغي قراءة الشيزوفرينيا في هذا النص قراءة طبية مباشرة. فالعمل لا يطلب منا أن نعيد السارد إلى مصحة التشخيص، بل أن نتتبع الكيفية التي يحول بها النص الفصام إلى استعارة كبرى لتفكيك الأنا واللغة والعالم. بالتالي فالجنون هنا ليس موضوعًا فحسب، بل هو شكل في الكتابة، ومنطق في الرؤية، وطريقة في مساءلة الوجود.
من المرض إلى الاستعارة
يفتح العنوان الفرعي، مذكرات الشيزوفريني، بابًا ملتبسًا منذ البداية. فقد يتبادر إلى الذهن أننا أمام وثيقة مرضية، أو اعترافات ذاتية لكائن يعاني اضطرابًا نفسيًا. غير أن النص سرعان ما يقاوم هذا التلقي المباشر، لأنه لا يقدّم الشيزوفرينيا بوصفها حالة سريرية محصورة في الهلوسة أو الانفصال عن الواقع، بل يجعل منها أداة جمالية وفلسفية لتفجير يقينيات القارئ. بهذا المعنى فالجنون في النص ليس نقيضًا للعقل فقط، بل امتحانًا له. إنه يكشف أن ما نسميه عقلًا ليس سوى نظام اجتماعي للتطبيع: نظام يفرض على الذات أن تكون واحدة، وعلى اللغة أن تكون مفهومة، وعلى الجسد أن يكون منضبطًا، وعلى الموت أن يبقى مؤجلًا حتى لا يربك سير الحياة اليومية. لكن السارد الشيزوفريني يرفض هذا التطابق، فلا يرضى بالانسجام الجاهز، ولا يثق في التماثل الذي تصنعه الثقافة بين الاسم والمسمى، أو بين الجسد والهوية، أو بين اللغة والمعنى.
في هذا المستوى، يصير الجنون شكلًا من أشكال العصيان المعرفي. ليس لأنه يقدّم حقيقة بديلة مكتملة، بل لأنه يكسر وهم الاكتمال ذاته. فالعالم الذي نراه مستقرًا لا يكون كذلك إلا لأننا نغض النظر عن شقوقه. والذات التي نعتقد أنها واحدة ليست كذلك إلا لأننا نكبت الأصوات التي تتنازعها. أما اللغة التي تبدو لنا وسيلة طيّعة للتواصل، فإنها، في لحظة الانهيار، تكشف عن عجزها عن احتواء الألم والفقدان والموت.
لذلك يبدو السارد في كتاب الفقدان كأنه لا يكتب من داخل المرض بقدر ما يكتب من داخل منطقة انكشاف. إنه لا يعرض أعراضًا، بل يعرّي بنية الوعي العادي. وهذا ما يمنح النص قوته: الجنون لا يظهر بوصفه خروجًا من الحقيقة، بل بوصفه مواجهة قاسية مع حقيقة لا يحتملها الوعي المطمئن.
تفكك الأنا وسقوط وهم الوحدة
من أكثر ما يميز كتاب الفقدان أن الأنا فيه لا تظهر بوصفها مركزًا ثابتًا للكلام. إنها أنا مهزوزة، ممزقة، تتعدد داخلها الأصوات والوجوه والأسماء. لا يستطيع السارد أن يقول «أنا» دون أن يشعر بأن هذه الكلمة أكبر من أن تُحصر في ذات واحدة، أو أصغر من أن تستوعب الفوضى التي تعبره.
هنا يتخذ النص مسافة واضحة من التصور الكلاسيكي للذات. فالأنا، في هذا التصور، كيان متماسك، مستقل، قادر على امتلاك نفسه وخطابه. أما في كتاب الفقدان، فالأنا ليست أصلًا، بل نتيجة مؤقتة لصراع داخلي. إنها لا توجد إلا بوصفها قناعًا هشًا فوق تعدد مرعب. ولذلك لا يكون قول «أنا» تأكيدًا للهوية، بل فضحًا لأزمتها.
ينتمي هذا التصور إلى أفق فكري أوسع، يلتقي فيه الأدب بالتحليل النفسي والفلسفة الحديثة. ففكرة أن الأنا ليست سيدًا في بيتها، وأن اللغة والآخر والرغبة والذاكرة تتكلم داخلها، تجد أصداءها في التحليل النفسي، كما تجد صياغتها الشعرية الشهيرة في عبارة رامبو: «أنا آخر». غير أن محمد أسليم لا يستدعي هذه الفكرة بوصفها شعارًا نظريًا، بل يحولها إلى تجربة سردية. فالقارئ لا يقرأ عن انقسام الذات فحسب، بل يختبره داخل بنية النص، في اضطراب الضمائر، وفي تعدد الأصوات، وفي انهيار الحدود بين المتكلم والمخاطَب، وبين الداخل والخارج.
ولا يتوقف التفكك عند مستوى الأنا النفسية، بل يمتد إلى الجسد نفسه. فالجسد لا يعود وحدة بيولوجية مطمئنة، بل يصير مجالًا للتشظي والتحول. يتعرض الجسد في هذا العالم السردي إلى انقسامات وصور غرائبية، كأن الذات لم تعد تسكن جسدها، بل تشاهده من الخارج وهو يتفكك ويتحول إلى كائنات وأشياء وصور مفزعة. وهكذا ينهار آخر ملجأ للهوية: الجسد الذي كنا نعتقد أنه يمنحنا صلابة مادية.
بذلك يذهب النص بعيدًا في تفكيك الإنسانوية المطمئنة. فالإنسان لا يعود سيدًا متماسكًا على جسده ولغته ومصيره، بل كائنًا مأهولًا بالانقسام، محكومًا بالتعدد، ومهددًا في كل لحظة بالمحو.
عندما تتمرد اللغة على وظيفتها
إذا تفككت الأنا، فلا يمكن للغة أن تبقى سليمة. ذلك أن اللغة العادية تفترض عادة وجود ذات متكلمة مستقرة، ورسالة واضحة، ومخاطَب قادر على الفهم. لكن حين تتشظى الذات، تصبح اللغة نفسها مضطرة إلى أن تتشظى. ولهذا لا ينبغي النظر إلى اضطراب اللغة في كتاب الفقدان بوصفه خللًا في التعبير، بل بوصفه الشكل الضروري لتجربة لا يمكن أن تُقال بلغة معيارية.
في هذا النص لا تعود اللغة مجرد أداة لنقل معنى جاهز، بل تتحول إلى ساحة صراع. الكلمات لا تصف الانهيار من الخارج، بل تشارك فيه. والجملة لا تتقدم دائمًا وفق منطق سببي مطمئن، بل تنفتح على القفز، والاستطراد، والتوتر، والهذيان، والتداعي. ومن هنا يمكن فهم ما قد يسمى بـ«النثر المتوحش»: نثر لا يخضع لترويض النوع الأدبي، ولا ينضبط لقواعد السرد الكلاسيكي، ولا يطمئن إلى بلاغة مصقولة تخفي العطب.
هذا التوحش ليس نقصًا جماليًا، بل هو اختيار وجودي. فالكتابة عن الفقدان والجنون والموت بلغة أنيقة أكثر مما ينبغي قد تتحول إلى خيانة للتجربة. حين يكون الداخل خرابًا، لا تستطيع اللغة أن تتظاهر بالعافية. لذلك تصبح الكتابة المكسورة، المتوترة، الهاذية أحيانًا، أكثر صدقًا من كتابة متوازنة تدّعي السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.
في هذا السياق يمكن استحضار تجربة لويس فردينان سيلين، ليس من أجل المطابقة بين تجربتين مختلفتين، بل من أجل الإشارة إلى أن بعض الكتابات لا تستطيع التعبير عن الشرط الإنساني الجريح إلا بتكسير اللغة نفسها. فالحرب، والمرض، والموت، والقلق، والفقدان، ليست موضوعات خارجية يمكن وصفها من مسافة آمنة؛ إنها قوى تضغط على الجملة، وتدفعها إلى اللهاث، والتقطع، والانفجار.
ومثلما جعلت آسيا جبار من الكتابة وسيلة لمقاومة الصمت التاريخي والسياسي والجندري، يجعل كتاب الفقدان من الكتابة وسيلة لمقاومة صمت آخر: صمت الوجود حين يواجه الفقدان والجنون والموت. فالكتابة هنا لا تشفي، ولا تعيد الذات إلى انسجامها القديم، لكنها تمنح التشظي شكلًا. إنها لا تلغي الخراب، بل تجعله قابلًا للقول.
الموت بوصفه حاضرًا وليس نهاية مؤجلة
لا ينفصل الجنون في عوالم محمد أسليم عن الموت. إذا كان الجنون يصدّع الرؤية، فالموت يكشف هشاشة كل رؤية، ومن ثم لا يظهر الموت في هذه النصوص بوصفه حدثًا بيولوجيًا يقع في النهاية، بل بوصفه حقيقة كامنة في الحياة نفسها. نحن لا نتجه نحو الموت فحسب، بل نحيا في حضرته.
هذا التصور يزعزع الثنائية المريحة بين الحياة والموت. فنحن، في وعينا اليومي، نضع الموت خارج الحياة حتى نستطيع أن نستمر، نعتبره مصيرًا بعيدًا، حادثًا سيقع لاحقًا، أو شيئًا يحدث للآخرين قبل أن يحدث لنا. لكن النص يرفض هذا التأجيل، ويجعل الموت حاضرًا في كل لحظة، ليس كفكرة ميتافيزيقية مجردة، بل كقوة تعمل داخل الجسد والزمن واللغة والعلاقات.
من هنا تكتسب صورة الجثة أهمية مركزية في المشروع السردي لمحمد أسليم. فالجثة ليست مجرد جسد انتهت حياته، بل مرآة للأحياء. إنها تكشف ما لا يريد الحي أن يراه في نفسه، وهو أنه موت مؤجل فقط، وأن الفرق بينه وبين الجثة ليس فرقًا في الطبيعة، بل في الزمن. بهذا المعنى، لا تكون الجثة خارج الحياة، بل تكون حقيقتها العارية.
يتقاطع هذا التصور مع الجنون لأن كليهما يقع خارج منطقة الاطمئنان العقلاني. فالعقل يحاول دائمًا أن يعطي معنى، أن يرتب، أن يفسر، أن يؤجل الرعب بواسطة التصنيف. أما الجنون والموت فيضعان الإنسان أمام ما لا يمكن ضبطه بالكامل. إنهما سلطتان معرفيتان بديلتان، ليس لأنهما تقدمان معرفة منظمة، بل لأنهما تخلخلان المعرفة المنظمة وتكشفان حدودها.
لذلك يمكن القول إن المجنون، في كتاب الفقدان، لا يرى أقل من غيره، بل يرى أكثر مما ينبغي؛ يرى هشاشة الأنا، ويرى هشاشة اللغة، ويرى الموت في قلب الحياة. مشكلته ليست أنه فقد الواقع، بل ربما أنه فقد القدرة على احتمال الأقنعة التي تجعل الواقع قابلًا للعيش.
لماذا نكتب إذن؟
إذا كان الجنون يفكك الذات، والموت يهددها بالمحو، واللغة نفسها عاجزة عن احتواء التجربة، فلماذا يكتب السارد؟ أليس الصمت هو النتيجة المنطقية لكل هذا الانهيار؟
هنا نصل إلى مركز النص: الكتابة ليست ترفًا، ولا زينة فكرية، ولا تمرينًا أسلوبيًا، بل فعل مقاومة. إنها استجابة للألم. حين يقول النص، في صيغته الحادة: «أنا إنسان يتألم ويتكلم»، فإنه يضع العلاقة بين الألم والكلام في قلب التجربة. الكلام لا يأتي بعد الألم بوصفه شرحًا له، بل يخرج منه كما تخرج الصرخة من الجرح.
غير أن الكتابة لا تعني الشفاء. وهذه نقطة أساسية. فالنص لا يقدّم نفسه بوصفه علاجًا يعيد الذات إلى توازنها السابق. إنه لا يعد القارئ بالخلاص، ولا يَعِد السارد بالنجاة. ما يفعله هو شيء آخر: تحويل الألم إلى أثر. والفرق كبير بين الشفاء والأثر. الشفاء يفترض العودة إلى حالة سابقة من العافية، أما الأثر فيعترف بأن العودة مستحيلة، لكنه يرفض أن يكون الخراب بلا شهادة.
بهذا المعنى، تصبح الكتابة أثرا ضد المحو. الموت يمحو، والجنون يبعثر، والنسيان يطمس، والمؤسسة الطبية قد تختزل التجربة في ملف، لكن الكتابة تستعيد سلطة التسمية. السارد لا يرضى بأن يكون مجرد مريض موضوعًا لتشخيص خارجي؛ إنه يتحول إلى ذات كاتبة، أي إلى من يمتلك حق تسمية انهياره، ورسم خرائطه، وتحويله إلى نص.
وهنا تكمن القيمة الإنسانية العميقة لـكتاب الفقدان. فهو لا يجعل من الألم فضيلة رومانسية، ولا يمجد المرض، ولا يحول الجنون إلى أسطورة جذابة، بل يفعل ما هو أصعب: يمنح تجربة التفكك شكلًا جماليًا وفكريًا، دون أن ينكر قسوتها. يجعلنا نفهم أن الكتابة لا تنقذ الإنسان من موته، لكنها قد تمنحه إمكانية أن يترك أثرًا قبل المحو.
خاتمة
يقدم كتاب الفقدان: مذكرات الشيزوفريني نصًا مربكًا لأنه يهاجم أكثر المسلمات رسوخًا في وعينا: وحدة الأنا، شفافية اللغة، استقرار الجسد، عقلانية العالم، وتأجيل الموت. إنه لا يكتفي بأن يجعل الجنون موضوعًا للسرد، بل يحوله إلى طريقة في النظر والكتابة. ومن خلال هذه الطريقة، يكشف النص أن ما نسميه «السَّواء» قد لا يكون سوى نظام دفاعي هش، وأن ما نسميه «العقل» قد يكون أحيانًا حجابًا يحول بيننا وبين رؤية التصدع العميق للوجود.
لا تكمن أهمية النص في أنه يتحدث عن الشيزوفرينيا، بل في أنه يستخدم الشيزوفرينيا أدبيًا وفلسفيًا لتفكيك مركزية الذات، كما لا تكمن قوته في أنه يصف الموت، بل في أنه يكشف حضوره داخل الحياة، ولا تكمن فرادته في أنه يكتب عن الألم، بل في أنه يجعل الكتابة نفسها فعلًا مضادًا للمحو.
من هنا يمكن القول إن الجنون، في هذا النص، ليس فقدانًا بسيطًا للواقع، بل مواجهة مع واقع أشد قسوة من أن يحتمله الوعي العادي. إنه كشف، لكنه كشف جارح. والكتابة، في مواجهة هذا الكشف، لا تقدم عزاءً سهلًا، بل تحفظ للإنسان حقه الأخير: أن يتألم، وأن يتكلم، وأن يحوّل هشاشته إلى أثر.
مراجع المقال
محمد أسليم، كتاب الفقدان: مذكرات الشيزوفريني.
محمد أسليم، حديث الجثة.
محمد أسليم، ساعة الاحتضار.
ميشيل فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي.
جاك لاكان، كتابات.
آرثر رامبو، «رسالة الرائي».
فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، وهذا هو الإنسان.
Louis-Ferdinand Céline, Voyage au bout de la nuit.
Assia Djebar, L’Amour, la fantasia؛ وCes voix qui m’assiègent.











