مقدمة
غالبًا ما تُقدَّم الحداثة بوصفها زمنًا لانحسار المقدّس، وانتصار العقلانية، وتراجع الأسطورة أمام العلم والتقنية، إذ اعتادت السردية الحديثة أن تصف العالم المعاصر باعتباره عالمًا “منزوع السحر désenchanté”، تحرّر فيه الإنسان من التفسيرات الدينية والرمزية القديمة، وصار أكثر ارتباطًا بالحساب، والتخطيط، والمنفعة، والإنتاج، والاستهلاك. غير أنّ التأمل في كثير من مشاهد الحياة اليومية يكشف مفارقة عميقة: فالإنسان الذي يعتقد أنه تخلى عن الطقوس القديمة، لم يفعل في الحقيقة سوى نقلها إلى فضاءات أخرى؛ من المعبد إلى المركز التجاري، ومن الاعتراف الديني أمام الراهب إلى تسليم البيانات الشخصية للمنصة الرقمية ، ومن الجماعة الطقوسية إلى جمهور الملعب أو الحفل الموسيقي، ومن الإله المفارق إلى الخوارزمية التي تراقب وتقترح وتوجّه وتطمئن.
تبدو طوابير المستهلكين أمام متاجر التكنولوجيا الكبرى، والحشود المندفعة في الملاعب، والتمرير اللانهائي على شاشات الهواتف، والانخراط العاطفي العنيف في معارك الشبكات الاجتماعية، مظاهر دنيوية تمامًا. لكنها، عند قراءتها أنثروبولوجيًا ونفسيًا وسيميائيًا، تكشف استمرار بُنى المقدّس داخل قشرة علمانية. فالمقدّس لم يختفِ بقدر ما تغيّر موقعه ولغته وأدواته. لقد صار يعمل داخل الأشياء، والعلامات التجارية، والواجهات الرقمية، وأنظمة المراقبة، وطقوس الاستهلاك الجماعي.
تنطلق المقالة الحالية من فرضية أساسية مفادها أن الحداثة لم تُلغِ المقدّس، بل أعادت استقلابه داخل الحياة الدنيوية. فالعالم المعاصر لا يعيش خارج الطقوس، بل ينتج أشكالا جديدة منها؛ لا يعبد آلهة قديمة، لكنه يخلق أوثانًا جديدة؛ ولا يتخلّى عن الحاجة إلى الجماعة، لكنه يستبدلها بتجمعات مؤقتة وهشة. بتعبير آخر، نحن لا نعيش نهاية المقدّس، بل نعيش تحوّله إلى مقدّس دنيوي.
- وهم الإنسان اللاديني
يُعدّ ميرسيا إلياد من أبرز المفكرين الذين نبهوا إلى صعوبة الحديث عن إنسان حديث منزوع تمامًا من الحس الديني. فالإنسان، في تصوره، كائن يميل إلى تقسيم العالم إلى فضاءات وأزمنة ذات معنى، ويمتلك حاجة عميقة إلى التمييز بين العادي والاستثنائي، بين المدنس والمقدس، بين اليومي والزمن المؤسس. وحتى عندما يُعلن الإنسان الحديث انفصاله عن الدين، فإنه يظل يحمل في داخله بقايا البنية الرمزية القديمة.
لا يعني هذا أن الإنسان المعاصر متدين بالمعنى العقائدي المباشر، بل يعني أن حاجته إلى المعنى، والطقس، والجماعة، والتجاوز، والطمأنينة، لم تختفِ. لذلك لا يكفي القول إن الحداثة ألغت الدين، لأن ما حدث أكثر تعقيدًا: لقد تراجع الدين باعتباره مؤسسة شاملة تنظّم السياسة والقانون والمعرفة، لكن التجربة الدينية في عمقها النفسي والأنثروبولوجي تسللت إلى فضاءات جديدة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الإنسان الحديث يعيش إنكارًا مزدوجًا: فهو يعلن تحرّره من المقدّس، لكنه يعيد إنتاج طقوسه في صور استهلاكية ورقمية وجماهيرية. يرفض المعبد، لكنه يرتاد فضاءات مصممة معماريًا لإنتاج الخشوع. يرفض الاعتراف الديني، لكنه يقدّم بياناته اليومية طواعية لمنصات رقمية تعرف عنه أكثر مما يعرف عن نفسه. يرفض الكهنوت القديم، لكنه يخضع لخبراء التسويق، ومهندسي الواجهات، ومصممي الرغبات.
- استقلاب المقدّس من الدين إلى المجتمع
يساعد مفهوم “استقلاب المقدّس métabolisme du sacré”، كما يقدمه مارسيل غوشيه، على فهم هذا التحول. فالدين، في المجتمعات الحديثة، لم يبقَ في موقعه التقليدي بوصفه بنية عليا تحكم العالم من الخارج، لكنه لم يتبخر أيضًا. لقد جرى هضمه داخل المجتمع كما يهضم الجسد الطعام ليحوله إلى طاقة كامنة. بهذا المعنى، فإن المقدّس خرج من السماء ليتموضع داخل الاجتماع الإنساني ذاته: في الدولة، والأمة، والتقنية، والسوق، والإعلام، والهوية، والاستهلاك.
يُظهر هذا التحول أن الحداثة لم تقضِ على الحاجة إلى المقدّس، وإنما نقلت مركز ثقله. لم يعد المقدّس يظهر بالضرورة في صورة إله مفارق، أو طقس كنسي، أو شعيرة معبدية، بل صار يتجلى في صورة علامة تجارية، أو جهاز ذكي، أو خوارزمية توجيه، أو منصة تواصل، أو تجربة جماهيرية كثيفة.
والأخطر في هذا التحول أن المقدّس الجديد لا يعلن نفسه بوصفه مقدّسًا. فهو يتخفى وراء اللغة التقنية والعقلانية والنفعية. لا يقول لنا: آمنوا بي، بل يقول: استخدموني. لا يطلب الخضوع، بل يعرض الراحة. لا يفرض الطاعة بالقوة، بل يجعلها ممتعة ومريحة ومغرية. وهنا تكمن قوته: إنه مقدّس بلا لاهوت معلن، وطقس بلا اعتراف بأنه طقس، وكهنوت بلا زي ديني.
- الخوارزمية بوصفها أبًا جديدًا
يفتح التحليل النفسي الفرويدي بابًا مهمًا لفهم هذه الحاجة المستمرة إلى سلطة حامية. ففي كتابه مستقبل وهم، يرى فرويد أن الدين يرتبط جزئيًا بحالة العجز الطفولي أمام قسوة الطبيعة وحتمية الموت. فالإنسان، مثل الطفل، يبحث عن أب قوي يحميه من الخوف، ويمنحه معنى، ويخفف عنه رعب المصادفة والفناء.
لكن السؤال الحديث هو: ماذا يحدث عندما تتراجع صور الأب التقليدية؟ من يتولى وظيفة الحماية والتوجيه والرعاية في عالم التقنية؟ هنا تظهر الخوارزمية بوصفها أبًا جديدًا، ليس بالمعنى البيولوجي أو الرمزي القديم، بل بمعنى السلطة الناعمة التي تراقب وتقترح وتمنع الخطأ قبل وقوعه.
تخبرنا التطبيقات متى ننام، ماذا نأكل، أي طريق نسلك، ما الذي نقرأه، من نصادق، ماذا نشتري، وأي محتوى يناسب مزاجنا. تبدو هذه الرعاية تقنية ومحايدة، لكنها تنطوي على بنية أبوية عميقة: حماية مفرطة تقود إلى فقدان الاستقلال. فالإنسان الذي يسلّم قراراته اليومية إلى الخوارزمية لا يشعر بأنه مستعبد، بل يشعر بأنه مخدوم. وهذا ما يجعل الخضوع الجديد شديد النعومة: إنه خضوع مريح.
في هذا السياق، يمكن فهم ما يسميه بعض المفكرين “لاهوت الخوارزميات”. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة حسابية، بل صار نظامًا لإنتاج التوجيه والمعنى والتوقع. إنه يعرف رغبات المستخدم، يتنبأ بسلوكه، ويعيد تشكيل اختياراته. وكلما زادت دقة هذا النظام، تقلصت مساحة المصادفة والتجربة والخطأ، وهي عناصر جوهرية في الحرية الإنسانية.
- دين البيانات وكرسي الاعتراف الرقمي
إذا كان الاعتراف في التقليد الديني يقوم على كشف الأسرار أمام سلطة روحية، فإن لحياة الرقمية المعاصرة أنتجت شكلًا جديدًا من الاعتراف الدائم. فالمستخدم يسلّم طواعيةً بياناته الحميمة: موقعه الجغرافي، نبضات قلبه، عاداته الغذائية، محادثاته، صوره، مخاوفه، رغباته، علاقاته، وسلوكه اليومي. لا يحدث ذلك تحت الإكراه، بل تحت شعار الراحة، وتحسين الخدمة، وتخصيص التجربة.
هكذا تتحول الشاشة إلى كرسي اعتراف مستمر. غير أن الكاهن الجديد ليس رجل دين، بل خوارزمية عليمة. وهي لا تكتفي بتلقي الاعتراف، بل تستثمره، تحلله، وتحوّله إلى نبوءات سلوكية. إنها تقول للمستخدم: نحن نعرف ما تريد، وربما نعرفه قبل أن تعرفه أنت. بهذا المعنى، لا يعود “دين البيانات dataïsme” مجرد استعارة بلاغية، بل يصبح وصفًا لبنية نفسية واجتماعية كاملة، حيث تُستبدل العناية الإلهية بعناية حسابية، ويُستبدل الخلاص الأخروي بوعد الدقة والراحة والتحكم.
لكن هذا الوعد يخفي ثمنًا باهظًا، هو: فقدان الحق في الخطأ، وتآكل العفوية، وتراجع المصادفة، وتحول الإنسان إلى ملف قابل للقياس والتنبؤ. فحيثما تُختزل الذات إلى بيانات، تتقلص المناطق الغامضة التي كانت تمنحها فرادتها الإنسانية.
- المركز التجاري بوصفه معبدًا حديثًا
لا يقتصر المقدّس الدنيوي على العالم الرقمي. فهو يتجسد أيضًا في فضاءات الاستهلاك. وقد بيّن جان بودريار أن السلعة الحديثة لا تُستهلك من أجل وظيفتها فقط، بل بوصفها علامة. فالفرد لا يشتري الحذاء لأنه حافٍ، ولا الهاتف فقط لأنه يحتاج إلى الاتصال، بل يشتري رمزًا، ومكانة، وانتماءً، ووعدًا بالسعادة.
بهذا المعنى، يتحول المركز التجاري إلى مجمع آلهة (بانثيون) حديث: فضاء تُعرض فيه آلهة العلامات التجارية، وتُمارس فيه شعائر الاختيار والشراء والتجوال. فعملية الشراء لا تعود مجرد تبادل اقتصادي، بل تصبح طقسًا يمنح الهوية. يدخل الفرد المركز التجاري كما يدخل فضاءً منظّمًا، مضاءً، مكيفًا، مطهرًا من فوضى الخارج. يعبر عتبة تفصل بين ضجيج الشارع ونقاء الداخل، بين الزمن المدنس وزمن الاستهلاك المنظم.
تقوم العمارة هنا بدور حاسم. فالمتاجر الزجاجية الشاهقة، والأضواء البيضاء الخالية من الظلال، والطاولات المرتبة بدقة، والمينيمالية الصارمة، كلها لا تعرض المنتجات فحسب، بل تنتج حالة نفسية مخصوصة: الخشوع أمام النظام، والنقاء، والذكاء، والتناسق. إن فضاء التكنولوجيا المعاصر يستعيد، بوسائل علمانية، بعض وظائف الكاتدرائية: إشعار الفرد بضآلته أمام كمال يتجاوزه.
- الفتيشية وصناعة الأوثان الحديثة
يرتبط هذا التحول بما يمكن تسميته “فتيشية السلعة” أو صناعة الأوثان الحديثة. فحين تنفصل السلعة عن شروط إنتاجها الواقعية، وتظهر للمستهلك كما لو أنها هبطت من سماء النمو والوفرة، تتحول إلى معجزة يومية. لا يرى المستهلك عمال المناجم، ولا مصانع التجميع، ولا استنزاف البيئة، ولا شبكات النقل، ولا العمل المرير المختفي خلف سطح اللمعان. إنه يرى السلعة في لحظة ظهورها السحرية فقط.
من هنا يصبح الاستهلاك قريبًا من طقوس “الكارجو” التي تحدّث عنها الأنثروبولوجيون في سياقات استعمارية، حيث تُستدعى البضائع كما لو كانت عطايا غيبية. وفي المجتمعات الحديثة، لا ينتظر المستهلك طائرة مقدسة، بل ينتظر إصدارًا جديدًا، أو تخفيضًا موسميًا، أو منتجًا يعده بتغيير حياته. السلع لا تُباع كأشياء، بل كخلاصات صغيرة: خلاص من الشيخوخة، من العزلة، من القلق، من فقدان المكانة، من انعدام المعنى.
وتتولى الإعلانات وخبراء التسويق دور الكهنة الجدد. فهم لا يبيعون المنتج كما هو، بل يحيطونه بهالة رمزية. يجعلون الهاتف وعدًا بالحرية، والسيارة وعدًا بالسيادة، والعطر وعدًا بالإغواء، واللباس وعدًا بالاعتراف الاجتماعي. إنهم لا يصفون الحاجات، بل يصنعونها ويعيدون هندسة الرغبة.
- الليتورجيا الرقمية وإدمان الترقب
في المستوى الحركي اليومي، تكشف وسائل التواصل عن طقوس دقيقة ومتكررة. فالتمرير اللانهائي بالإبهام، والسحب للتحديث، وانتظار الإعجاب، ومراقبة الإشعار، كلها أفعال تبدو تافهة، لكنها تنتمي إلى بنية طقوسية. إنها حركات متكررة، شبه ميكانيكية، لا تتجه بالضرورة نحو غاية واضحة، بل تستمد قوتها من التكرار والترقب.
هنا، يمكن استحضار تجارب ب. ف. سكينر حول التعزيز العشوائي. فحين تكون المكافأة غير متوقعة، يصبح السلوك أكثر قابلية للإدمان. وهذا ما تستثمره المنصات الرقمية بذكاء: ليس كل تمرير يمنح مكافأة، وليس كل تحديث يجلب إشعارًا مهمًا، لكن احتمال المكافأة يكفي لإبقاء المستخدم داخل الحلقة. إننا لا نبحث دائمًا عن معلومة، بل نمارس طقسًا صغيرًا طلبًا لجرعة عشوائية من الدوبامين والاعتراف الاجتماعي.
هكذا تتحول المنصة إلى معبد محمول، والهاتف إلى مسبحة خوارزمية، والإشعار إلى بركة علمانية. لا يحتاج الطقس الجديد إلى كاهن ظاهر، لأن واجهة الاستخدام نفسها صارت كهنوتًا مصممًا بدقة.
- القطيع الرقمي وكبش الفداء
لا تنتج الخوارزميات أفرادًا معزولين فقط، بل تنتج جماعات متجانسة داخل فُقَاعَاتٍ إدراكية. يرى المستخدم غالبًا ما يشبهه، ويسمع ما يؤكد قناعاته، ويتفاعل مع من يشاركونه الغضب ذاته. ومع الوقت، يتحول الاختلاف البسيط إلى تهديد وجودي. هنا تلتقي سيكولوجيا الجماهير عند غوستاف لوبون وفرويد مع مفهوم “نرجسية الفروق الصغيرة”: كلما زاد التشابه بين الجماعات، تضخمت الفروق الصغيرة، وصارت موضوعًا لصراعات شرسة.
تغذي المنصات هذه الآلية لأنها تجعل الغضب مرئيًا، وقابلًا للقياس، ومربحًا. ويتحول النقاش حول تفصيل سياسي أو غذائي أو أخلاقي إلى معركة هوية. لا يعود الخصم شخصًا يملك رأيًا مختلفًا، بل يصبح نجسًا رمزيًا يجب طرده. وهنا يظهر من جديد منطق “الفارماكوس” اليوناني، أو كبش الفداء: تُحمّل الجماعة الرقمية فردًا أو رأيًا أو جماعة كل خطاياها، ثم تمارس عليه طقس التشهير والطرد لاستعادة شعور زائف بالنقاء.
ثقافة الإلغاء، بهذا المعنى، ليست مجرد ظاهرة أخلاقية أو سياسية، بل هي طقس تطهير رقمي. إنها تستعيد بنية قديمة جدًا: تحديد المذنب، تحميله الشرور، تعريته أمام الجمهور، ثم طرده أو تدميره رمزيًا.
- البانوبتيكون الأفقي والسجن الشفاف
حلل ميشيل فوكو البانوبتيكون بوصفه نموذجًا للمراقبة الحديثة: سجن دائري يتوسطه برج مراقبة، لا يعرف السجين متى يكون مراقبًا، فينتهي إلى مراقبة نفسه بنفسه. غير أن العالم الرقمي نقلنا إلى صيغة جديدة: لم يعد هناك برج مركزي واحد، بل مراقبة أفقية شاملة، حيث يراقب الجميعُ الجميعَ.
نحن لا نعيش فقط تحت عين الدولة أو المؤسسة، بل تحت أعين الأصدقاء، والمتابعين، والغرباء، والجمهور المحتمل. كل عبارة قابلة للاقتطاع، وكل صورة قابلة للتأويل، وكل رأي قد يتحول إلى تهمة. لذلك يمارس الفرد رقابة ذاتية قاسية، ليس خوفًا من سلطة مركزية فقط، بل خوفًا من الجماعة الرقمية ذاتها.
هذا هو السجن الشفاف: لا جدران ظاهرة، ولا حارس محدد، ومع ذلك يعيش الجميع داخل قابلية دائمة للاتهام. والنتيجة أن الحرية الشكلية تتعايش مع انضباط داخلي شديد. يستطيع الفرد أن يقول ما يريد، لكنه يعرف أن كل قول قد يجعله كبش الفداء القادم.
- المهرجان والملعب وزمن العيد المؤقت
رغم هيمنة الرقمنة، لا يزال الإنسان يحتاج إلى الحضور الجسدي وسط الجماعة. لذلك نشهد الإقبال الكبير على الحفلات الموسيقية والمباريات والمهرجانات. فما الذي يبحث عنه الإنسان هناك؟ إنه يبحث عن كسر الزمن اليومي. فالحياة الحديثة محكومة بزمن أفقي متكرر: العمل، المسؤوليات، التنقل، الشاشات، الالتزامات. ويحتاج الإنسان، كما بيّن إلياد، إلى زمن استثنائي يوقف رتابة اليومي، ولو مؤقتًا.
غير أن زيغمونت باومن يلفت النظر إلى هشاشة هذه الجماعات الحديثة. فهي ليست جماعات عضوية مستمرة، بل “مجتمعات غرف حفظ الملابس”، على حد تعبيره، إذ يضع الأفراد اختلافاتهم مؤقتًا كما يضعون معاطفهم عند مدخل المسرح، يشاركون في انفعال جماعي حاد، يهتفون ويبكون ويغنون معًا، ثم يستعيد كل واحد معطفه ويعود إلى عزلته.
هذه التجمعات تمنح حرارة الجماعة دون التزام طويل. إنها تقدم شبح الدين لا الدين، وشبح الجماعة لا الجماعة، وشبح العيد لا المعنى المؤسس. لذلك تكون قوية عاطفيًا، لكنها عابرة اجتماعيًا.
خاتمة: نحو رفض أكبر
تكشف هذه القراءة أن العالم الحديث لم يغادر المقدّس، بل غيّر عنوانه. لقد انتقلت المذابح إلى صروح التكنولوجيا، ومراكز الاستهلاك، ومنصات البيانات، وساحات التشهير الرقمي. واحتفظ الإنسان بالقشور الطقوسية: الإيماءة، التكرار، العبور، الاعتراف، الجماعة، القربان، الطرد، التطهير. لكنه فقد، في كثير من الحالات، الجوهر الروحي الذي يمنح هذه الأشكال معنى عميقًا.
لذلك لا يكفي نقد التكنولوجيا أو الاستهلاك من الخارج، بل ينبغي فهم البنية الطقوسية التي تجعلهما مغريين. فالإنسان لا يخضع للخوارزمية لأنها قوية فقط، بل لأنها تمنحه طمأنينة. ولا يستهلك العلامة لأنها جميلة فقط، بل لأنها تمنحه هوية. ولا ينخرط في التشهير الرقمي لأنه شرير بالضرورة، بل لأنه يبحث عن نقاء جماعي مفقود.
من هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته، مع إريك سادن، بـ “الرفض الأكبر”: ليس رفض التقنية في ذاتها، ولا حنينًا رومانسيًا إلى ماضٍ ديني مغلق، بل رفضًا للشمولية الناعمة التي تحول الإنسان إلى نقطة بيانات، ومستهلك طقوسي، ومراقِب ومراقَب في آن واحد. إن المطلوب هو استعادة “روعة المحسوس”: أي القدرة على العيش خارج الوساطة الخوارزمية المطلقة، والقبول بالمصادفة، والخطأ، والتجربة، والغموض، والحرية.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الإنسان المعاصر أن يبني فضاءات مقدسة واعية، تحترم استقلاله ولا تسلبه إرادته؟ أم أن طمأنينة الخضوع، ودفء السجون الشفافة، ووعد الخلاص الرقمي، ستظل أقوى من رعب الحرية؟
مراجع المقال:
- Mircea Eliade, Le Sacré et le Profane.
- Marcel Gauchet, Le Désenchantement du monde.
- Sigmund Freud, L’Avenir d’une illusion.
- Jean Baudrillard, La Société de consommation.
- Umberto Eco, Apocalípticos e integrados
- Gustave Le Bon, Psychologie des foules.
- René Girard, La Violence et le sacré.
- Michel Foucault, Surveiller et punir.
- Zygmunt Bauman, Liquid Modernity.
- Éric Sadin, La Silicolonisation du monde.
- Youval Noah Harari, Homo deus. Une brève histoire de l’avenir.












عذراً التعليقات مغلقة