(مقال مولَّد بالذكاء الاصطناعي)
مدخل: حين لا يعود الفن مجرد جمال
ليست التراجيديا، في معناها العميق، مجرد شكل أدبي أو مسرحي قديم، ولا هي فقط حكاية بطل يسقط تحت وطأة قدر قاسٍ، أو آلهة غاضبة، أو خطأ أخلاقي قاتل. إنها، منذ ولادتها اليونانية، واحدة من أكثر الصيغ الفنية قدرة على كشف العلاقة المعقدة بين الإنسان والألم، بين الجمال والرعب، بين النظام والفوضى، وبين اللذة والشعور بالذنب. ولذلك كان من الطبيعي أن تتحول التراجيديا إلى موضوع مركزي عند اثنين من أعظم مفكري الحداثة: فريدريك نيتشه وسيغموند فرويد.
يقرأ نيتشه التراجيديا من داخل أفق ميتافيزيقي وفني واسع. فهي عنده ليست مجرد محاكاة للأفعال الإنسانية، بل نتيجة صراع خلاق بين قوتين رمزيتين: الروح الأبولونية، بما تمثله من حلم، وصورة، وحدود، وشكل؛ والروح الديونيسية، بما تمثله من نشوة، وانخطاف، وفقدان للذات، واندماج مرعب في الكلّ الحيوي للعالم. أما فرويد، فينقل التراجيديا من فضاء الميتافيزيقا الجمالية إلى عيادة التحليل النفسي، حيث تصبح بنية المسرح التراجيدي تكرارًا رمزيًا لجريمة أقدم: قتل الأب البدائي من طرف جماعة الإخوة، ثم محاولة التخفف من الذنب عبر الفن والطقس والتمثيل.
هكذا نكون أمام قراءتين متقابلتين ومتكاملتين في آن واحد: قراءة ترى في التراجيديا عزاءً ميتافيزيقيًا يجعل الألم قابلاً للاحتمال، وقراءة تراها مسرحًا مقنّعًا لجريمة تأسيسية ما زالت النفس البشرية تعيد تمثيلها من أجل تخفيف شعورها العميق بالذنب.
- نيتشه والتراجيديا بوصفها صراعًا بين أبولون وديونيسوس
ينطلق نيتشه، في كتابه “مولد التراجيديا”، من رفض التصور الكلاسيكي الساذج للفن بوصفه محاكاة للجمال أو ترفيهًا للذوق. الفن، في نظره، ليس زخرفة على سطح الحياة، بل استجابة وجودية عميقة لرعب الحياة نفسها. إنه ليس هروبًا من الألم، بل طريقة لتحويل الألم إلى صورة، وإيقاع، ومشهد، وغناء.
يستند نيتشه إلى ثنائية شهيرة: أبولون وديونيسوس. أبولون هو إله النور والحلم والشكل والقياس. إنه المبدأ الذي يمنح العالم حدودًا قابلة للإدراك، ويجعل الأشياء منفصلة عن بعضها البعض. في الأفق الأبولوني، يستطيع الإنسان أن يقول: أنا كائن مستقل، لي حدودي، ولي صورتي، ولي اسمي. أبولون هو مبدأ الفردية، والوضوح، والتمثيل، والوهم الجميل الذي يجعل الحياة مفهومة ومحتملة.
لكن هذه الفردية الأبولونية ليست الحقيقة الأخيرة للعالم. إنها، عند نيتشه، حجاب ضروري، أو حلم جميل، يخفي خلفه قوة أعمق وأكثر فوضوية: ديونيسوس ممثل النشوة، والسكر، والانخطاف، وذوبان الحدود بين الفرد والجماعة، وبين الإنسان والطبيعة، وبين الذات والعالم. في التجربة الديونيسية ينهار مبدأ التفرد، ويخرج الإنسان من قوقعته الفردية ليشعر بأنه جزء من طاقة كونية عارمة.
غير أن الديونيسي، وحده، لا يصنع فنًا. الفوضى الخالصة لا تنتج عملًا فنيًا، بل قد تنتج الجنون، أو الصمت، أو الألم العاري. لذلك تحتاج النشوة الديونيسية إلى القالب الأبولوني. تحتاج الفوضى إلى شكل، والألم إلى صورة، والانخطاف إلى لغة. هنا تولد التراجيديا: ليس من أبولون وحده، ولا من ديونيسوس وحده، بل من زواجهما العنيف والخلاق.
- الجوقة والبطل: من النشوة الجماعية إلى الصورة المسرحية
يرى نيتشه أن التراجيديا اليونانية نشأت من الجوقة الديونيسية. لم يكن المسرح، في بدايته، قائمًا على الفرد البطل كما نعرفه لاحقًا، بل على جماعة منشدة، راقصة، مأخوذة بحالة من النشوة الطقسية. كانت الجوقة تمثل ذلك الانخطاف الجماعي الذي يذيب الفرد في الكل، ويجعله جزءًا من طاقة حيوية كبرى.
من هذه الجوقة يولد البطل التراجيدي. إنه ليس، في العمق، شخصية مستقلة تمامًا، بل صورة أبولونية تنبثق من الألم الديونيسي للجماعة. الجوقة، في نشوتها ومعاناتها، تحتاج إلى أن ترى ألمها متجسدًا في صورة محددة. فتخلق البطل، أو تستحضره، لكي تنظر من خلاله إلى ألمها الخاص دون أن تحترق به مباشرة.
بهذا المعنى، البطل التراجيدي ليس مجرد فرد يعاني، بل هو قناع تتأمل الجوقة من خلاله مأساة الوجود. إنه شكل مرئي لألم غير مرئي، وصورة منظمة لفوضى داخلية عميقة. وهنا تكمن وظيفة التراجيديا عند نيتشه: إنها تمنح الإنسان القدرة على مواجهة رعب الوجود دون أن يسقط في العدمية. تجعل الألم جميلًا، لا لكي تلغيه، بل لكي تجعله قابلاً للاحتمال.
التراجيديا، إذن، عزاء ميتافيزيقي. إنها لا تقدم حلولًا أخلاقية بسيطة، ولا تعد الإنسان بالسعادة، بل تعلمه كيف يحدق في الهاوية دون أن ينهار. إنها تقول له: الوجود مؤلم، متناقض، وممزق، لكن الفن قادر على تحويل هذا التمزق إلى جمال.
- فرويد والتراجيديا بوصفها عودة لجريمة الأب البدائي
إذا كان نيتشه يقرأ التراجيديا من زاوية الصراع بين قوى الوجود، فإن فرويد يقرأها من زاوية الصراع بين الرغبة، والتحريم، والذنب. ينتقل بنا فرويد من المسرح اليوناني إلى ما يسميه في كتابه ”الطوطم والحرام” بالقطيع أو النَّقِيل البدائي، حيث يفترض وجود أب أول، قوي، مستبد، يحتكر النساء والسلطة، ويقصي أبناءه الذكور أو يطردهم.
في هذه الفرضية الأنثروبولوجية التحليلية، لا يقف الأب البدائي بوصفه شخصًا عائليًا فقط، بل بوصفه مركز السلطة والرغبة والتحريم. إنه من يمنع الأبناء من الوصول إلى موضوعات رغبتهم، وفي الوقت نفسه يمثل نموذج القوة الذي يريدون امتلاكه. لذلك تكون علاقة الأبناء به علاقة ملتبسة: يكرهونه لأنه يحرمهم، ويحسدونه لأنه يمتلك، ويحبونه لأنه يمثل المثال الأعلى للقوة.
تبلغ هذه العواطف المتناقضة ذروتها حين يتحد الإخوة المطرودون لقتل الأب. إنهم، كأفراد، عاجزون عن مواجهته؛ لكنهم، كجماعة، يستطيعون إسقاطه. يقتلونه ثم يلتهمونه في طقس رمزي، ليس من أجل سد الجوع، بل من أجل امتلاك قوته والتماهي معه. هنا تقع الجريمة المؤسسة: قتل الأب والتهامه.
لكن الجريمة لا تنتهي بإشباع الكراهية. فبعد موت الأب يعود الحب المكبوت إلى السطح في شكل ندم وشعور ساحق بالذنب. لقد تخلص الأبناء من الأب بوصفه عقبة، لكنهم اكتشفوا، بعد قتله، أنهم كانوا يحبونه أيضًا. ومن هذا التناقض يولد القانون، والتحريم، والدين، والضمير، وربما الفن أيضًا. الحضارة، في المنظور الفرويدي، ليست انتصارًا بسيطًا للعقل، بل بناء طويل فوق جثة الأب المقتول وذنب الأبناء.
- المسرح التراجيدي كمسرح للجريمة المقنّعة
من هنا يقرأ فرويد بنية التراجيديا قراءة مغايرة تمامًا لنيتشه. فالمسرح التراجيدي، في ظاهره، يعرض بطلًا يعاني، وجوقة تندبه أو تعلّق على مصيره. لكن هذه البنية، في التحليل الفرويدي، تخفي مسرحًا أقدم: البطل هو الأب البدائي، والجوقة هي جماعة الإخوة القتلة.
غير أن التراجيديا لا تعيد الجريمة كما وقعت فعليًا، بل تشوهها، تقلب أدوارها، وتعيد توزيع الذنب. في الجريمة البدائية، كانت الجماعة هي القاتل الفعلي. أما في التراجيديا، فتظهر الجوقة وكأنها بريئة، حزينة، متعاطفة مع البطل. إنها تبكيه، ترثيه، وتلقي بالمسؤولية على القدر، أو الآلهة، أو خطأ البطل نفسه. هكذا يتحول الجناة إلى شهود، ويتحول الأب المقتول إلى بطل مذنب يستحق العقاب.
هذه هي الحيلة النفسية العميقة في التراجيديا: إنها تسمح للجماعة بأن تعيد تمثيل الجريمة، وأن تستمتع بسقوط الأب/البطل، ولكن دون أن تتحمل الذنب مباشرة. فالبطل يعاني بدلًا عنها، ويموت نيابة عنها، ويحمل خطيئتها كما يحمل الفادي خطايا الجماعة. بهذا المعنى، يصبح البطل التراجيدي ضحية وفاديًا في الوقت نفسه.
إن ما يسميه التقليد الأرسطي “تطهيرًا catharsis” يمكن أن يأخذ، هنا، معنى آخر. فالتطهير (أو التنفيس) ليس فقط تنقية جمالية لعاطفتي الخوف والشفقة، بل هو أيضًا تفريغ لاشعوري لذنب قديم. الجمهور يشاهد الجريمة وقد صارت فنًا؛ يراها من جديد، يعيشها من جديد، لكنه يخرج منها وقد تخلص مؤقتًا من عبء داخلي لا يعرف مصدره.
- بين العزاء والذنب: التراجيديا كضرورة نفسية وحضارية
يبدو نيتشه وفرويد، للوهلة الأولى، وكأنهما يقدمان تفسيرين متعارضين للتراجيديا. نيتشه يرى فيها مصالحة فنية بين الشكل والفوضى، بين الحلم والنشوة، بين أبولون وديونيسوس. وفرويد يرى فيها تكرارًا رمزيًا لجريمة الأب، ومحاولة لاشعورية لتخفيف الذنب الجماعي. لكن التأمل الأعمق يكشف أن القراءتين لا تلغي إحداهما الأخرى.
فالتراجيديا، عند نيتشه، تجعل الألم الوجودي قابلاً للرؤية والاحتمال. وهي، عند فرويد، تجعل الذنب النفسي قابلاً للتمثيل والتنفيس. في الحالتين، نحن أمام وظيفة علاجية أو إنقاذية للفن: الفن لا يزيل الألم، لكنه يمنحه شكلًا؛ لا يمحو الذنب، لكنه يتيح تمثيله؛ لا ينقذ الإنسان من هاوية الوجود، لكنه يمنحه قناعًا وشكلًا وصوتًا لكي يقترب منها دون أن يتلاشى.
من هنا نفهم لماذا احتاجت المجتمعات إلى التراجيديا. لم تكن التراجيديا ترفًا ثقافيًا، بل كانت ضرورة رمزية. لقد سمحت للجماعة بأن تتعامل مع ما لا تستطيع قوله مباشرة: رعب الطبيعة، عبث المصير، العنف المؤسس، الرغبة في قتل الأب، والخوف من انهيار القانون. إنها طقس جمالي لتدبير المستحيل النفسي.
خاتمة: هل ما زلنا نحتاج إلى التراجيديا؟
لا تخصنا التراجيديا اليونانية لأنها شكل فني قديم فحسب، بل لأنها تكشف شيئًا ما زال حيًا فينا. فما زالت ثقافتنا الحديثة، بأفلامها ومسلسلاتها ورواياتها، تعيد إنتاج مشاهد سقوط الأبطال، وتعذيبهم، وموتهم، وانبعاثهم الرمزي. ما زلنا نحتاج إلى رؤية البطل يتألم لكي نرى ألمنا وقد صار محتملًا. وما زلنا نحتاج إلى متفرج جماعي يغسل يديه من دماء قديمة، أو من صراعات نفسية جديدة، عبر شاشة أو خشبة أو حكاية.
بين نيتشه وفرويد، لا تعود التراجيديا مجرد فن للماضي، بل تصبح مرآة مزدوجة: في وجهها الأول نرى حاجتنا إلى الجمال كي نحتمل رعب الوجود؛ وفي وجهها الثاني نرى حاجتنا إلى التمثيل كي نخفف عبء الذنب. إنها، بهذا المعنى، واحدة من أعظم اختراعات الإنسان الرمزية: آلة جمالية لتحويل الألم إلى شكل، والذنب إلى مشهد، والجريمة إلى فن.
ولعل السؤال الأخير الذي تتركه هذه القراءة مفتوحًا هو: هل نشاهد التراجيديا لأننا نحب الفن فقط، أم لأن في داخل كل جماعة بشرية جريمة قديمة، أو رغبة مكبوتة، أو ذنبًا غير معترف به، يحتاج دائمًا إلى بطل جديد يسقط أمام أعيننا لكي نواصل العيش؟
مراجع:
– Nietzsche, Friedrich, La Naissance de la tragédie ou Hellénisme et pessimisme, Traduction de J. Marnold et J. Morland (1906), Édition électronique v. : 1,0 : Les Échos du Maquis, 2011.
– Freud, Sigmund, Totem et Tabou. Quelques concordances entre la vie psychique des sauvages et celle des névrosés, trad. Samuel Jankélévitch, Paris, Payot, 1965.
– Freud, Sigmund, Moïse et la religion monothéiste, le monothéisme, trad. Par Jean-Pierre Lefebre (2010), Paris, Editions Points, 2012, Collecion Points Essais.
– Freud, Sigmund, Le Malaise dans la culture, P Traduction de Dorian Astor, Présentation, dossier et notes par Pierre Pellegrin, rad. Charles et Jeanne Odier, Paris, Éditions Flammarion, Paris, 2010.
– Aristote, Poétique, de l’académie française, nouvelle édition revue et corrigée, traduit par Charles Batteux, Michel Magnien, Éditeur : J. Delalain (Paris), 1874, édition numérique : 2016, Collecyio, XIX de a BnF.
– Girard, René, La Violence et le Sacré, Éditions Bernard Grasset, 1972.











عذراً التعليقات مغلقة