هل كان موسى مصريًا؟ فرويد وقراءة التوحيد بوصفه عودةً للمكبوت الجمعي

منذ 3 ساعات10 مشاهدةآخر تحديث :
هل كان موسى مصريًا؟ فرويد وقراءة التوحيد بوصفه عودةً للمكبوت الجمعي

مدخل: حين يقرأ التحليل النفسي التاريخ الديني

يُعدّ كتاب سيغموند فرويد “موسى والديانة التوحيدية” واحدًا من أكثر نصوصه إثارة للجدل، ليس لأنه يضيف فرضية تاريخية جديدة حول شخصية موسى فحسب، بل لأنه ينقل أدوات التحليل النفسي من مجال العيادة الفردية إلى مجال التاريخ الديني والحضاري. ففي هذا الكتاب، لا يتعامل فرويد مع التوحيد اليهودي بوصفه معطى لاهوتيًا خالصًا، ولا بوصفه واقعة تاريخية يمكن حسمها بالوثائق وحدها، بل بوصفه تركيبًا نفسيًا طويل المدى، تشكل عبر الصدمة، والكبت، وفترة الكمون، ثم عودة المكبوت في صورة دينية جديدة.

من هنا تنبع جرأة الأطروحة الفرويدية. فالسؤال الذي يطرحه فرويد لا يقتصر على: من كان موسى؟ بل يمتد إلى سؤال أعمق: كيف يمكن لجماعة بشرية أن تنسى جريمة تأسيسية، ثم تجعل من هذا النسيان نفسه مصدرًا لهويتها الدينية والأخلاقية؟ وكيف يمكن لدين كامل أن يحمل، في أعماقه، أثر صدمة لم يعد يتذكرها وعيه الرسمي؟

تقوم فرضية فرويد على سلسلة من الحلقات المتداخلة: الأصل المصري لموسى، صلته بديانة إخناتون التوحيدية، فرضه دينًا مجردًا وصارمًا على جماعة مضطهدة، تمرّد هذه الجماعة عليه وقتلها له، ثم كبت هذه الجريمة عبر تسوية تاريخية لاحقة، قبل أن تعود تعاليم موسى المكبوتة في خطاب الأنبياء، ثم في المسيحية بوصفها حلًا رمزيًا لعقدة قتل الأب.

  1. اسم موسى والقرينة اللغوية

ينطلق فرويد من نقطة تبدو في ظاهرها لغوية بسيطة: اسم موسى نفسه. فالتفسير الديني التقليدي يربط الاسم بالجذر العبري الذي يحيل إلى الانتشال من الماء، انسجامًا مع قصة الطفل الذي أنقذته ابنة فرعون من النهر. غير أن فرويد يشكك في هذا التفسير، مستندًا إلى ما كان متاحًا في زمنه من دراسات مصرية قديمة، خصوصًا لدى باحثين مثل جيمس هنري بريستد.

بحسب فرويد، لا يستقيم التفسير العبري للاسم من الناحية الصرفية والتاريخية. أما البديل الذي يقترحه، فهو أن اسم موسى ذو أصل مصري، وأنه قريب من اللاحقة المصرية القديمة “مس” أو “موس”، التي تعني “الطفل” أو “الابن”، كما تظهر في أسماء فرعونية مركبة من قبيل تحتمس أو أحمس أو رعمسيس. وفي هذه الأسماء، تكون اللاحقة مرتبطة عادة باسم إله، قبل أن تنفصل لاحقًا وتصبح اسمًا قائمًا بذاته.

غير أن فرويد لا يكتفي بهذه القرينة اللغوية. فهو يدرك أن الاسم وحده لا يكفي لإثبات هوية قومية أو أصل تاريخي. لذلك ينتقل سريعًا إلى حقل آخر أكثر قربًا من أدواته: التحليل النفسي للأسطورة.

  1. أسطورة ولادة البطل وقلب النموذج

يعتمد فرويد هنا على عمل أوتو رانك، أحد تلامذته السابقين، حول أسطورة ولادة البطل. فقد لاحظ رانك أن أساطير أبطال كثيرين في ثقافات مختلفة تتبع بنية متكررة: يولد البطل من عائلة نبيلة أو ملكية، تهدده نبوءة أو خطر سياسي، يُلقى في النهر أو يُترك للموت، ثم تنقذه عائلة فقيرة أو متواضعة، ليتبين لاحقًا أصله الرفيع ويستعيد مكانته.

يفسر التحليل النفسي هذا النمط بوصفه تعبيرًا عن “الرواية العائلية” لدى الطفل. فالطفل، في لحظة معينة من نموه النفسي، قد يتمرد على والديه الحقيقيين، ويتخيل أنه ليس ابن هذه العائلة العادية، بل ابن أسرة أرقى أو أكثر نبالة. وبهذا المعنى، تكون العائلة الملكية في الأسطورة هي العائلة المتخيلة، بينما تكون العائلة المتواضعة هي العائلة الحقيقية.

غير أن قصة موسى، كما يلاحظ فرويد، تقلب هذا النموذج رأسًا على عقب. ففيها لا يولد البطل من عائلة ملكية ثم تتبناه عائلة متواضعة، بل يحدث العكس: يولد، بحسب الرواية التوراتية، من عائلة عبرية متواضعة، ثم تتبناه ابنة فرعون. وهنا يرى فرويد أن الانقلاب نفسه يكشف أثر التعديل الأسطوري اللاحق.

وفق هذا المنطق، تكون العائلة العبرية المتواضعة هي الإضافة الأسطورية المختلقة، بينما تشير العائلة الملكية المصرية إلى الأصل الحقيقي. وبذلك يصل فرويد إلى استنتاجه الصادم: موسى لم يكن عبريًا تبنته أسرة فرعونية، بل كان، في الأصل، مصريًا أرستقراطيًا أو أميرًا أو كاهنًا رفيعًا، ثم أعيدت صياغة قصته لاحقًا كي يُنسب إلى الشعب الذي سيصبح قائده ومؤسسه.

  1. موسى وإخناتون وديانة آتون

إذا كان موسى مصريًا، فما الذي يدفع رجلًا من النخبة المصرية إلى قيادة جماعة مضطهدة خارج مصر؟ هنا يربط فرويد سيرة موسى بالتحول الديني الكبير الذي وقع في عهد أمنحتب الرابع، المعروف لاحقًا باسم إخناتون.

كان إخناتون قد قاد ثورة دينية غير مسبوقة في مصر القديمة، حين سعى إلى إحلال عبادة آتون، الإله الشمسي الواحد، محل التعددية الدينية المصرية القديمة. تميزت هذه الديانة، في قراءة فرويد، بطابع توحيدي صارم، وبنزوع إلى التجريد، وبنفور من السحر والشعوذة، وبإضعاف لعبادة الموت والحياة الأخرى التي كانت مركزية في الديانة المصرية التقليدية، خصوصًا في عبادة أوزيريس.

يفترض فرويد أن موسى كان من كبار أتباع هذه الثورة الدينية، وربما من رجال الدولة أو الكهنة الذين آمنوا بعمق بمشروع إخناتون. لكن موت إخناتون أدى إلى انهيار تجربته بسرعة، وعودة كهنة آمون، ومحاولة محو آثار آتون. في هذا السياق، يصبح موسى، بحسب فرويد، رجلًا فقد وطنه الرمزي والديني داخل مصر نفسها. فهو لم يعد قادرًا على العودة إلى ديانة آمون، ولم يقبل بانهيار مشروع التوحيد الذي آمن به.

هكذا تتضح، في البناء الفرويدي، دوافع الخروج: لم يكن الأمر مجرد تعاطف مع شعب مستعبد، بل محاولة من موسى لإنقاذ ديانة آتون من الزوال، عبر نقلها إلى جماعة جديدة يجعل منها شعبه المختار.

  1. الختان بوصفه علامة مصرية

يمنح فرويد مسألة الختان مكانة مركزية في أطروحته. فالختان، في تصوره، ليس عادة عبرية أصلية، بل ممارسة مصرية قديمة، ارتبطت خصوصًا بالنخبة الأرستقراطية والكهنوتية. ومن ثم، فإن فرض موسى الختان على الجماعة التي قادها لا يدل، في نظر فرويد، على انتماء موسى إلى العبرانيين، بل على العكس: يدل على أنه نقل إلى جماعته الجديدة علامة مصرية أرستقراطية.

قد يبدو الأمر في البداية متناقضًا: إذا كان موسى يريد تحرير جماعة من السيطرة المصرية، فلماذا يفرض عليها علامة جسدية مصرية؟ غير أن فرويد يرى أن الختان لم يكن، في دلالته الأصلية، علامة عبودية، بل علامة تمييز واصطفاء. لقد منح موسى، في هذا التأويل، جماعته الجديدة شارة النخبة التي ينتمي إليها هو نفسه، وربطها جسديًا بدينه وبشخصه، وفصلها عن الجماعات المجاورة.

بهذا المعنى، لا يكون الختان مجرد ممارسة طقسية، بل ختمًا هوياتيًا. إنه علامة جسدية لا تُمحى، تجعل الانتماء إلى ديانة موسى وإلى جماعته أمرًا محفورًا في الجسد، وليس في الاعتقاد وحده.

  1. قتل موسى وجريمة التأسيس الثانية

تصل أطروحة فرويد إلى أكثر لحظاتها صدمة حين يفترض أن الجماعة التي قادها موسى لم تكتفِ برفض تعاليمه، بل تمردت عليه وقتلته. ويستند فرويد هنا إلى أبحاث إرنست سيلين حول نصوص النبي هوشع، حيث اعتقد سيلين أنه عثر على إشارات مطموسة إلى جريمة قديمة تم التستر عليها في الذاكرة الدينية اللاحقة.

في هذا التأويل، لم تستطع الجماعة الخارجة من مصر تحمل صرامة ديانة آتون. فقد كانت هذه الديانة مجردة، أخلاقية، معادية للسحر، بعيدة عن الطقوس الحسية، وصعبة الاحتمال على جماعة لم تتهيأ نفسيًا وثقافيًا لهذا المستوى من التجريد. وهكذا حدث الانفجار: تمردت الجماعة على قائدها المصري الصارم، وتخلصت منه بالقتل.

لكن قتل المؤسس لا ينهي المشكلة، بل يبدأها. فالقتل، في التحليل النفسي، ليس حدثًا ينقضي بانقضاء لحظته؛ إنه يولد ذنبًا، والذنب يولد كبتًا، والكبت يخلق ذاكرة سرية تواصل العمل في الأعماق. هنا يصبح قتل موسى تكرارًا تاريخيًا لجريمة أقدم في النظرية الفرويدية: قتل الأب في الحشد البدائي.

  1. تسوية قادش ودمج موسيين

بعد مقتل موسى ورفض ديانته، يفترض فرويد أن الجماعة دخلت في فترة اضطراب وتيه، قبل أن تندمج لاحقًا مع قبائل أخرى في منطقة قادش. وهناك، بحسب هذه الفرضية، جرى تبني إله مختلف تمامًا عن آتون: يهوه، إله محلي عنيف، مرتبط بالبركان، والدم، والنار، والحرب.

تزداد الفرضية تعقيدًا حين يشير فرويد إلى وجود كاهن مدياني يحمل هو أيضًا اسم موسى. ومن هنا تنشأ، في نظره، “تسوية قادش”: دمج موسى المصري، مؤسس ديانة آتون والمقتول في الصحراء، بموسى المدياني، الكاهن المرتبط بعبادة يهوه. وفي هذه العملية جرى نقل إنجاز الخروج إلى يهوه، وطمس أثر ديانة آتون، والتستر على جريمة قتل موسى الأول.

بهذه التسوية، نشأت هوية دينية مركبة: إله بركاني محلي استوعب تدريجيًا صفات الإله الأخلاقي المجرد، وشخصية نبوية موحدة أخفت وراءها طبقتين تاريخيتين ونفسيتين مختلفتين.

  1. فترة الكمون وعودة المكبوت

ينقل فرويد هنا مفهومًا مركزيًا من العيادة النفسية إلى التاريخ الديني: فترة الكمون. ففي العُصاب الفردي، قد يتعرض الطفل لصدمة لا يستطيع وعيه تحملها، فيكبتها. ثم تمر سنوات طويلة يبدو فيها الشخص طبيعيًا، قبل أن تعود الصدمة لاحقًا في صورة أعراض.

يطبق فرويد هذا النموذج على الجماعة. فقتل موسى ورفض ديانته دخلا، في تصوره، في فترة كمون جماعية استمرت قرونًا. ظاهريًا، انتصرت عبادة يهوه واندثرت ديانة موسى. لكن الذاكرة لم تختف تمامًا. لقد بقيت كامنة، محمولة في تيار خفي، ولا سيما عبر جماعة اللاويين الذين يفترض فرويد أنهم كانوا من أتباع موسى المصري وحملة تعاليمه الأصلية. بهذا المعنى، لم تمت ديانة موسى، بل صارت نهرًا جوفيًا. قد يبدو السطح جافًا، لكن التيار يواصل الحفر في الأعماق، حتى تأتي لحظة الانفجار. وهذه اللحظة، في تصور فرويد، هي ظهور الأنبياء.

فالأنبياء اللاحقون، في هذا البناء التحليلي، لم يأتوا بشيء جديد تمامًا، بل أعادوا إحياء تعاليم موسى الأصلية: رفض الطقوس السحرية، نقد القرابين الدموية، التشديد على العدالة، إعلاء الحق، وتأكيد الطبيعة الأخلاقية والروحية للإله. هكذا عاد المكبوت الجمعي، ليس بوصفه ذكرى صريحة، بل باعتباره قوة أخلاقية ودينية أعادت تشكيل يهوه نفسه، وحولته تدريجيًا من إله عنيف ومحلي إلى إله أخلاقي كوني.

  1. من قتل موسى إلى المسيحية

لا يتوقف فرويد عند تفسير نشأة اليهودية، بل يمد تحليله إلى المسيحية. فمقتل موسى، في نظره، لم يكن مجرد حادث سياسي أو ديني معزول، بل تكرارًا لجريمة أقدم وأكثر جذرية: جريمة قتل الأب في النقيل البدائي، كما عرضها في كتابه الطوطم والتابو.

يفترض فرويد أن الجماعات البشرية الأولى كانت تخضع لأب طاغية يحتكر السلطة والنساء، ويقصي أبناءه الذكور. وفي لحظة ما، تحالف الأبناء وقتلوا الأب، لكنهم لم يظفروا بالتحرر النفسي، بل وقعوا في ذنب هائل، لأنهم كانوا يحبون الأب بقدر ما يكرهونه. ومن هذا الذنب نشأت المحرمات، والديانات، وتقديس الأب المقتول بأثر رجعي.

بحسب فرويد، أعاد مقتل موسى فتح هذا الجرح القديم. فقد قُتل الأب الرمزي مرة أخرى، وعاد الذنب بصورة جديدة. ومع تراكم هذا الذنب عبر قرون، جاءت المسيحية لتقدم حلًا لاهوتيًا ونفسيًا: الاعتراف الضمني بالجريمة عبر مفهوم الخطيئة الأصلية، ثم التكفير عنها من خلال تضحية الابن.

في قراءة فرويد، يمثل المسيح الابن الذي يقدم نفسه قربانًا من أجل التكفير عن جريمة قتل الأب. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الابن، عبر تضحيته، يصبح هو نفسه موضوع العبادة الأسمى. وبذلك تنتقل الديانة من مركزية الأب الصارم إلى مركزية الابن المخلّص، ويتحقق التمرد القديم على الأب، ولكن في صيغة لاهوتية مقبولة ومطهرة.

خاتمة: التاريخ بوصفه مسرحًا للاوعي الجماعي

لا تكمن أهمية موسى والتوحيد في صحة فرضياته التاريخية وحدها، ولا في قابليتها للتحقق الأثري أو النصي، بل في الجرأة المنهجية التي يقترحها. ففرويد لا يقرأ التاريخ بوصفه سلسلة من الأحداث السياسية، ولا الدين بوصفه منظومة عقائدية مستقلة، بل يقرأهما بوصفهما تعبيرين عن حياة نفسية جماعية تعمل عبر الكبت، والإنكار، والذنب، والعودة المتأخرة للمكبوت. من هذا المنظور، لا يموت الماضي. إنه يختفي، يتنكر، يتراكم، ثم يعود في صورة جديدة. وما يبدو، على السطح، عقيدة أو مؤسسة أو شريعة، قد يحمل في عمقه أثر صدمة قديمة أو جريمة منسية أو ذنب لم يجد طريقه إلى الاعتراف.

تلك هي قوة القراءة الفرويدية وإرباكها في آن واحد. إنها لا تطمئن إلى الذاكرة الرسمية، ولا تثق كثيرًا في السرديات التي تصوغها الجماعات عن أصولها. إنها تبحث، وراء القداسة، عن الجرح؛ ووراء الشريعة، عن الذنب؛ ووراء التوحيد، عن تاريخ طويل من الصراع بين الأبناء والآباء، بين الطاعة والتمرد، بين النسيان وعودة المكبوت. بهذا المعنى، لا يكون سؤال “هل كان موسى مصريًا؟” مجرد سؤال عن أصل رجل أو هوية نبي، بل سؤالًا عن الطريقة التي تصنع بها الجماعات ذاكرتها، وتخفي جرائمها المؤسسة، ثم تعيد اكتشافها في صورة دين، وأخلاق، وحضارة.

مراجع:

  • Freud, Sigmund, L’homme Moïse et la religion monothéiste, trad. Cornelius Heim, Paris, Gallimard, 1986.
  • Freud, Sigmund, Totem et Tabou. Quelques concordances entre la vie psychique des sauvages et celle des névrosés, trad. Samuel Jankélévitch, Paris, Payot, 1924.
  • Rank, Otto, Le Mythe de la naissance du héros. Essai d’une interprétation psychanalytique du mythe, suivi de La légende de Lohengrin, Paris, Payot, 2000.
  • Assmann, Jan, La mémoire culturelle. Écriture, souvenir et imaginaire politique dans les civilisations antiques, Paris, Flammarion, 2010.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة