مقدمة
حين يُذكر الأدب، تتقدّم إلى الذهن عادة صور الإلهام والجمال والخيال والسمو اللغوي. غير أن تاريخ الأدب لا يُقرأ من جهة هذه القيم وحدها، بل يُقرأ أيضًا من جهة العداء الذي وُجّه إليه، والاتهامات التي لاحقته، والمحاكمات التي وُضع فيها موضع الشبهة والخطر. ومن هذه الزاوية تحديدًا تكتسب أطروحة ويليام ماركس، كما يكشفها كتابه «كراهية الأدب»(*)، أهميتها الخاصة: فالأدب لا يُعرَّف فقط بما أنتجه من نصوص كبرى، بل كذلك بما أثاره من خوف، وبما استدعى من ردود فعل دفاعية عند الفلاسفة والعلماء والمصلحين الأخلاقيين، بل وحتى داخل المؤسسة الجامعية نفسها.
الفكرة المركزية هنا صادمة في ظاهرها: لعل الأدب لم يعرف نفسه عبر التاريخ إلا من خلال أعدائه. فلو لم يكن مؤثرًا، ولو لم يكن قادرًا على زعزعة اليقينيات وإرباك السلطات الرمزية، لما تكبّد خصومه عناء محاكمته. بهذا المعنى، لا تكون “كراهية الأدب” عرضًا جانبيًا أو سوء فهم عابرًا، بل جزءًا بنيويًا من تاريخه ذاته. والكراهية هنا ليست مجرد انفعال، بل آلية إقصاء، واستراتيجية دفاع، ووسيلة لإعادة ترتيب السلطة على الحقيقة والخيال والمعنى داخل المجتمع.
أولًا: أفلاطون ومحاكمة الأدب باسم السلطة
تبدأ المحاكمة الأولى في أثينا القديمة، مع أفلاطون، الذي ظل طرده للشعراء من المدينة الفاضلة يُقدَّم طويلًا كما لو كان مجرد موقف من الذائقة الفنية أو اعتراضًا على الأساطير. غير أنه يمكن إعادة تأويل تلك اللحظة بوصفها صراعًا على السلطة المعرفية. فالشاعر، في المجتمع اليوناني قبل الفلسفة، لم يكن مجرد صانع صور بلاغية، بل كان حاملًا لذاكرة الجماعة، ومصدرًا من مصادر الحقيقة والتعليم. كانت النصوص الملحمية، وفي طليعتها أعمال هوميروس، تؤدي وظيفة موسوعية كاملة: منها يستقي الناس صور ماضيهم، وتمثلاتهم للعالم، وبعض أسس معارفهم العملية. ولذلك لم يكن الشاعر شخصية هامشية، بل مؤسسة رمزية قائمة بذاتها.
من هنا تكتسب خطوة أفلاطون معناها الحقيقي. فقد كان مشروعه يقتضي، في جوهره، احتكار الفيلسوف لسلطة الحقيقة. ولم يكن ممكنًا أن تقوم مدينة يحكمها العقل الفلسفي الصارم في وجود سلطة موازية قادرة على التأثير في الوجدان الجماعي عبر الحكاية والأسطورة والإيقاع. لم يكن الأمر، إذن، نزاعًا بين نمطين من التعبير، بل بين مركزين للشرعية: من يملك حق تشكيل المخيال الجماعي؟ ومن يحدد ما ينبغي اعتباره حقيقة؟ بهذا المعنى، لم يطرد أفلاطون الشعراء لأنهم ضعفاء أو عديمو الأثر، بل لأنه أدرك خطورتهم. كانت الكراهية هنا تعبيرًا عن وعي عميق بقوة الأدب، لا عن ازدراء لعدم جدواه.
ويزداد هذا التناقض دلالة حين نتذكر أن أفلاطون نفسه كتب حواراته في صيغة درامية، واستعمل الأسطورة والمشهد والسرد. وهذا لا يكشف نفاقًا ساذجًا بقدر ما يكشف أن الفلسفة نفسها لم تستطع الاستغناء عن أدوات الأدب وهي تعمل على تحجيمه. وذلك وحده كافٍ للدلالة على أن الأدب لم يكن خصمًا ثانويًا، بل قوة يستحيل تجاهلها، حتى عند من يعلن الحرب عليه.
ثانيًا: محاكمة الحقيقة، أو حين استأثر العلم بامتياز المعرفة
إذا كانت محاكمة أفلاطون تدور حول السلطة، فإن المحاكمة الثانية تتشكل في العصر الحديث حول سؤال الحقيقة. مع صعود العلوم التجريبية وتعاظم هيبة المختبر، بدأ الأدب يُنظر إليه بوصفه خطابًا يفتقر إلى الموضوعية، ويعجز عن تقديم معرفة قابلة للتحقق والقياس. وفي هذا السياق يستعيد الكتاب أطروحة “الثقافتين” عند سي. بي. سنو بوصفها لحظة دالة على التوتر بين الثقافة العلمية والثقافة الأدبية. فكلما ارتفعت مكانة العلم بوصفه النموذج الأعلى للحقيقة، تقلصت شرعية الأدب بوصفه مصدرًا للمعرفة.
وقد اتخذ هذا الموقف صيغًا أكثر حدّة حين اعتبر بعض المفكرين المعاصرين أن الرواية لا تقدم إلا أوهامًا نفسية، بينما يمنحنا العلم وحده بيانات موثوقة عن السلوك البشري. هنا يُقاس الأدب بأداة ليست أداته، وتُفرض عليه معايير ليست من طبيعته. فالاعتراض الذي يبرزه المؤلف في هذه النقطة بالغ الدقة: لا معنى لأن نطالب الأدب بأن ينتج الحقيقة ذاتها التي ينتجها المختبر، كما لا معنى لأن نطلب من ميزان حرارة أن يقيس عمق الحزن. العلم يكشف آليات العالم المادي، أما الأدب فيمنحنا خبرة العيش من الداخل، ويكشف ما يمكن تسميته بالحقيقة الذاتية البينية: تلك المنطقة التي تتقاطع فيها الذوات عبر التجربة والخيال واللغة.
من هذا المنظور، لا يكون الأدب ضد الحقيقة، بل حاملًا لنمط آخر منها. فالعلم يستطيع تحليل الدمعة من حيث تركيبها الكيميائي، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنحنا معنى البكاء على فقد عزيز. إن الأدب لا ينافس العلم في ميدانه، بل يجيب عن سؤال آخر: ما معنى أن نكون بشرًا؟ ومن ثم فإن “محاكمة الحقيقة” لا تكشف قصور الأدب بقدر ما تكشف ضيق التصور الذي يحصر المعرفة فيما يقبل القياس فقط.
ثالثًا: روسو ومحاكمة الأدب باسم الأخلاق
تأخذ المحاكمة الثالثة طابعًا أكثر استفزازًا، لأن المدعي العام فيها ليس خصمًا تقليديًا للفكر، بل أحد أعلام التنوير نفسه: جان جاك روسو. فروسو، كما يقدمه هذا التحليل، لم ير في الفنون والآداب علامة على رقي المجتمعات، بل رأى فيها سببًا مباشرًا لفسادها. لقد قلب التسلسل المألوف رأسًا على عقب: ليس ازدهار الأدب نتيجة لتحضر المجتمع، بل هو، في نظره، علامة على ابتعاد الإنسان عن بساطته الأصلية وفضيلته الأولى.
ومن هنا يمكن فهم اعتراضه على نصوص تبدو، في نظرنا اليوم، بريئة أو تعليمية، مثل حكايات لافونتين. فالمشكلة عند روسو ليست في الحكاية بوصفها وسيلة تربوية، بل في كونها تنشئ علاقة غير مباشرة بالعالم، وتدرّب القارئ على التمثيل والمراوغة والتقمص. أي إن الأدب، في هذا التصور، لا يربي على الفضيلة، بل على الوساطة، والوساطة في نظر روسو بداية الفساد. لقد كان مهوسًا بفكرة “الحالة الطبيعية” للإنسان، وهي حالة شفافية يفترض أنها تسبق التعقيد الاجتماعي والتمثيل الثقافي. ولذلك بدا الأدب، بكل ما فيه من صور وأقنعة ومجازات، تهديدًا لهذه البراءة الأصلية.
والأشد مفارقة أن روسو نفسه لم يكن ليبلغ أثره التاريخي لولا قوته الأسلوبية الكبرى. فهو يستخدم الكلمة المكتوبة بكثافة وبلاغة ليُضعف الثقة بالكلمة ذاتها. وهذا يكشف، مرة أخرى، أن خصوم الأدب لا يستطيعون، في الغالب، مهاجمته إلا باستعمال أدواته. ومن ثم فإن الكراهية الأخلاقية للأدب لا تدل على ضعفه، بل على قوة الأثر الذي يُخشى منه.
رابعًا: المحاكمة الجندرية، أو الخوف من المرأة القارئة والكاتبة
يتخذ العداء للأدب، في القرن التاسع عشر، صورة أكثر قسوة حين يرتبط بسؤال الجندر. فالمسألة لم تعد فقط: هل الأدب نافع أم ضار؟ بل صارت أيضًا: من يقرأ؟ ومن يكتب؟ لقد عُدَّت قراءة النساء للروايات تهديدًا مباشرًا للنظام الأبوي، لأنها منحت المرأة مساحة غير مسبوقة من الاستقلال الذهني، وفتحت لها عالمًا داخليًا يتجاوز الدور الاجتماعي المغلق المفروض عليها. وهكذا تحولت القراءة، في عزلة الغرفة الخاصة، إلى فعل تحرر صامت.
في هذا السياق تُستدعى شخصية إيما بوفاري بوصفها رمزًا لامرأة دمّرتها الروايات، لا لأن الأدب دمّرها فعلًا، بل لأن المجتمع قرأ فيها صورة الخطر الذي يمثله الخيال حين يتجاوز الحدود المرسومة للمرأة. فالرواية، بحسب هذا التصور المحافظ، لا تمنح المرأة معرفة أو متعة فحسب، بل ترفع سقف توقعاتها العاطفية والاجتماعية، وتجعلها تقارن حياتها الواقعية بحيوات أخرى ممكنة. وهذا بالذات ما جرى تأويله، في اللغة الطبية والأخلاقية، بوصفه مرضًا أو هيستيريا.
ويتضاعف هذا الذعر حين ننتقل من القراءة إلى الكتابة. فالمرأة القارئة ما تزال، في هذا المنظور، متلقية داخل حيز خاص، أما المرأة الكاتبة فهي فاعلة في المجال الرمزي العام، ومنافسة على إنتاج المعنى والمعرفة. لذلك قوبلت الكاتبات بتهميش أشد، لأن الكتابة لم تعد مجرد استهلاك للخطاب، بل صارت إعلانًا عن ذات تريد أن تتكلم وأن تُسمع. وهنا يتضح أن محاكمة الأدب لم تكن موجهة إلى النص وحده، بل إلى ما يفتحه النص من إمكانات اجتماعية وتحررية.
خامسًا: الطعنة من الداخل، أو كيف حوّلت الجامعة الأدب إلى جثة تحليلية
بعد هذه المحاكمات الكبرى، يبلغ النقاش ذروته التراجيدية حين ينتقل العداء إلى الداخل، إلى الفضاء الذي يُفترض فيه أن يحمي الأدب: الجامعة. وهنا يمكن الاستناد إلى تشخيص تزفيتان تودوروف في كتابه «الأدب في خطر»، حيث لا يعود الخطر آتيًا من السياسيين أو رجال الأخلاق أو أنصار العلموية، بل من طرق تدريس الأدب نفسها. فقد تحولت دراسة النصوص، في كثير من الأكاديميات الحديثة، إلى دراسة للأدوات والمناهج والرموز، على حساب المعنى الإنساني الحي الذي يجعل من النص خبرة وجودية لا مجرد بنية قابلة للتفكيك.
والصورة المستعملة هنا لافتة: نقّاد وأساتذة يقفون حول النص كما يقف أطباء التشريح حول جثة، يحددون المجازات، ويصنفون الجمل، ويفككون العلامات، لكنهم يقتلون في الوقت نفسه الكائن الحي الذي كان يسكن النص. هكذا يُختزل الأدب إلى موضوع تقني لا يعيد القارئ إلى أسئلة الوجود والألم والحرية والمعنى. لقد أُفرغ من طاقته الإنسانية باسم الصرامة المنهجية.
ويمكن تحليل هذا المسار عبر ثلاثية مدمّرة: الشكلية التي تعزل النص عن العالم، والعدمية التي تختزل الوجود إلى فراغ وكارثة، والسوليبسية التي تحوّل النص إلى مرآة مغلقة لذات مأزومة لا تفتح أي أفق على الآخر. وهكذا يفقد الأدب قدرته على مخاطبة القارئ العام، ويتحول إلى طلاسم لا يفك رموزها إلا المختصون. وهذه، في جوهرها، إحدى أبشع صور “كراهية الأدب”: أن يُجرَّد من معناه باسم الدفاع عنه.
خاتمة
بعد هذا التاريخ الطويل من المحاكمات، يمكن طرح السؤال الحاسم: لماذا ينبغي أن نستمر في قراءة الأدب اليوم؟ والجواب الذي يقدمه واضح: لأن الأدب ليس ترفًا، بل أداة أساسية لتوسيع الفهم البشري. إنه يضعنا في مكان الآخرين، ويمنحنا خبرة عيش حيوات لم نعشها، ويعلّمنا إدراك الفروق الدقيقة والمشاعر المركبة في عالم يميل، على نحو متزايد، إلى التسطيح والتبسيط والقولبة. العلم يحفظ الحياة ويشرح آلياتها، لكن الأدب يمنح هذه الحياة معنًى، وينقذ الإنسان من الرؤية الأحادية ومن ضيق التجربة المحصورة في الذات.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم المفارقة الأخيرة: لقد استمد الأدب جزءًا كبيرًا من قيمته، تاريخيًا، من أعدائه أنفسهم. فكل سلطة حاربته كانت، من حيث لا تدري، تعترف بفاعليته. غير أن الخطر الأشد اليوم ربما لم يعد هو الكراهية الصريحة أو الرقابة المباشرة، بل اللامبالاة. ففي زمن الخوارزميات والتشتت الرقمي والمحتوى الاستهلاكي المتدفق، قد لا يُحاكم الأدب أصلًا، لأنه لم يعد يُنظر إليه باعتباره خطرًا. وحين لا يعود النص مهددًا لأنه مزعج، بل لأنه غير مرئي، نكون أمام طور جديد من أزمته: ليس طور المنع، بل طور الاختناق البطيء في بحر من التفاهة العابرة.
إن قيمة هذا التحليل، في نهاية المطاف، لا تكمن فقط في الدفاع عن الأدب، بل في إعادة تعريف سبب الحاجة إليه. فالأدب لا يظل ضروريًا لأنه جميل وحسب، بل لأنه يوقظ في الإنسان طاقته على الفهم والتعاطف والشك ومقاومة الاختزال. وإذا كان قد حوكم طويلًا باسم السلطة والحقيقة والأخلاق والمنهج، فلأن فيه دائمًا شيئًا يقلق هذه السلطات جميعًا: قدرته على أن يفتح داخل اللغة مساحة لا يمكن السيطرة عليها بالكامل.
(*) William Marx, La Haine de la littérature, Paris, Éditions de Minuit, 2015 (224 pages)


![م. أسليـم: الثقافة الشعبية والوسائط الحديثة في المغرب [نسخة مؤقتة]](https://aslim.org/wp-content/uploads/2020/01/filemanager-5-2.jpg)








