مجهر العنف: من مؤسسة الزواج إلى الكون في العوالم السردية لمحمد أسليم

منذ ساعتين0 مشاهدةآخر تحديث :
مجهر العنف: من مؤسسة الزواج إلى الكون في العوالم السردية لمحمد أسليم

مقدمـة

تُنجز الكتابة السردية عند محمد أسليم أحد أكثر التحولات النقدية إزعاجًا وإثمارًا في آن واحد: فهي لا تتعامل مع العنف بوصفه حادثًا استثنائيًا يقع على هامش النظام، ولا بوصفه مجرد انحراف أخلاقي أو خلل اجتماعي يمكن عزله وإدانته من الخارج، بل تكشفه باعتباره نسيجًا خفيًا يتخلل العلاقات الإنسانية في مستوياتها كافة، من أكثر الدوائر حميمية إلى أكثرها اتساعًا وتجريدًا. فالعنف، في هذا الأفق، لا يبدأ من الحرب بوصفها حدثًا سياسيًا معلنًا، بل من الحياة اليومية نفسها؛ من المودة المتوترة، ومن الصمت الزوجي، ومن الغضب العابر في الشارع، ومن صراعات النفوذ داخل العمل، بل ومن داخل الجسد أيضًا، قبل أن يمتد إلى البنية الكونية التي تحكم المادة والحياة والزوال.

هذا المنظور، كما تكشفه نصوص مثل «كتاب الفقدان» و«مذكرات شيزوفريني» و«بالعنف تتجدد دماء الحب»، لا يقوم على رغبة مجانية في تعميم التشاؤم، ولا على افتتان سوداوي بمشاهد الافتراس، وإنما ينهض على عمل تفكيكي حاد يستعين بالمجاز، والفلسفة، والانزياح السردي، لإعادة النظر في أكثر المسلمات رسوخًا: الحب، السلام، التحضر، السيادة على الجسد، بل وحتى موقع الإنسان داخل الكون. وهنا تتقاطع كتابة أسليم مع تأملات «جاك دريدا» حول الحرب الكامنة في البنيات المنظمة، ومع «جورج باتاي» في مساءلته للجانب غير الإنساني الكامن في الحميمية، كما تتجاور مع بعض الاستعارات الأدبية التي تجعل الفضاء الاجتماعي أقرب إلى غابة منمقة منها إلى عالم عقلاني مستقر.

من ثم، لا يضعنا هذا الأدب أمام عنف ظاهر فقط، بل أمام «مِجهر للعنف»: عدسة تكشف أن ما يبدو هادئًا من الخارج قد يكون، في الداخل، نظامًا كاملًا من الصراع والترويض والافتراس المقنع.

العنف في الحميمية: الزواج بوصفه اقتصاد حرب مؤجل

تبدأ هذه الرؤية من نقطة تبدو، للوهلة الأولى، بعيدة عن تصورات العنف المألوفة: «مؤسسة الزواج». فقد جرت العادة على النظر إلى الزواج بوصفه مجال السكن والمودة والطمأنينة، أي الفضاء الذي تنطفئ فيه صراعات العالم الخارجي. غير أن القراءة التي تتيحها نصوص أسليم، في ضوء بعض التصورات الفلسفية القريبة من دريدا، تكشف أن هذا “السلام” ليس غيابًا للعنف، بل صيغة منظمة لإدارته.

في هذا المعنى، يمكن الحديث عن «اقتصاد حرب داخل الحميمية». فالاقتصاد هنا لا يعني المعنى المالي الضيق، بل شبكة التبادل، والمفاوضة، والتنازل، والضغط، ورسم الحدود. وبذلك يصبح السلام الزوجي نوعًا من الهدنة المستمرة، لا لأنه خالٍ من النزاع، بل لأنه ينجح، إلى حد ما، في ترويض قواه وتأجيل انفجاره. الجدل اليومي حول تفاصيل الحياة المنزلية، والصمت الطويل بعد الشجار، والإيماءات المحسوبة، والتنازلات التي تبدو بريئة، ليست عناصر عرضية في هذه البنية، بل أدوات لتنظيم التوتر ومنع انهيار المؤسسة.

وتكشف هذه الرؤية عن حقيقة مقلقة: ما يبدو مودة هادئة قد يكون، في العمق، «توازن ردع متبادل». فالصمت ليس دائمًا غيابًا للكلام، بل قد يكون امتلاءً بالكلمات غير المنطوقة، والتهديدات المؤجلة، والاحتقان الذي جرى كبته حفاظًا على استمرارية العلاقة. ومن ثم، فإن الزواج لا يظهر هنا بوصفه فضاءً نقيًا من الصراع، بل بوصفه شكلًا من أشكال إدارته الدقيقة.

غير أن هذه القراءة لا تسقط في العدمية الساذجة التي تعتبر الحب مجرد قناع زائف للحرب. فهي لا تنفي الحب، وإنما تنزعه من مثاليته الرومانسية، لتعيد تعريفه باعتباره «إنجازًا أخلاقيًا هشًا» يتحقق رغم العنف الكامن، لا في غيابه. فالحب، ضمن هذا المنظور، ليس براءة أصلية، بل قدرة يومية على كبح الأذى الممكن. إنه اختيار واعٍ لعدم تدمير الآخر، رغم أن شروط الجرح والهيمنة والتملك كامنة دومًا في البنية الحميمية ذاتها.

الغريزة والحميمية: في ضوء باتاي

يتعزز هذا التفكيك حين نربطه بأفق «جورج باتاي»، الذي طالما نظر إلى اللحظات القصوى في التجربة الإنسانية بوصفها لحظات انهيار للهوية العقلانية المستقرة. في هذا الضوء، تغدو الحميمية نفسها مجالًا ينكشف فيه ما هو غير إنساني في الإنسان، أو بالأحرى ما هو سابق على صورته المهذبة التي يقدمها للمجتمع.

إن الشخصية اليومية العاقلة، الرزينة، المتحكمة في خطابها وجسدها وانفعالاتها، لا تظل على حالها في لحظات التوتر الحميمي أو الشهوة أو الغضب. هناك، تتراجع أقنعة الوقار الاجتماعي، ويظهر ما يشبه الغريزة العارية. ولهذا تستعين النصوص بصور صادمة ومبالغ فيها ظاهريًا، لا بهدف الإثارة المجانية، بل لتفكيك «النرجسية الإنسانية» التي تحب أن ترى نفسها عقلانية بالكامل.

العنف، في هذا السياق، ليس طارئًا على الحب، بل جزء من منطقه العميق. ومن هنا تأتي العبارة الدالة في إحدى الرؤى المستخلصة من النص: «الحب قوي كالموت». فالحب ليس نقيضًا للعنف، بل يتشكل معه في علاقة توتر معقدة. إنه ليس سكينة صافية، بل قدرة على تحويل الطاقة الافتراسية نفسها إلى صيغ من العناية، والتضحية، والضبط، والامتناع. وبهذا المعنى، يصبح التعاطف نفسه فعلًا صعبًا، لا لأنه غريزة تلقائية، بل لأنه انتصار مؤقت على قابلية الجرح المتأصلة فينا.

تقدم هذه الرؤية الحميمية بوصفها مختبرًا أوليًا لفهم العنف. فإذا كان الإنسان عاجزًا عن بلوغ سلام طبيعي كامل حتى في أكثر فضاءاته قربًا وخصوصية، فإن السؤال التالي يفرض نفسه مباشرة: «ماذا يحدث عندما يغادر البيت إلى المجال العام؟»

من البيت إلى الشارع: التحضر بوصفه غابة مقنّعة

ما إن ينتقل التحليل من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام حتى تتبدل صورة العنف من توتر حميمي منظم إلى «افتراس اجتماعي ومؤسساتي» أشد تعقيدًا. هنا تتقاطع نصوص أسليم مع استعارات أدبية ترى المجتمع الحديث لا بوصفه تجاوزًا للطبيعة، بل إعادة تنسيق لها في هيئة أخرى. فالمدينة ليست نقيض الغابة، بل غابة بعد أن أُعيد تزيينها بالإسمنت، والقانون، والوظيفة، والديكور الحضري.

في هذه الرؤية، لا يظهر الأفراد في المجال العام بوصفهم ذواتًا عقلانية محايدة، بل ككائنات مفترسة بأشكال متفاوتة: نعومة خارجية تخفي نظرًا شرسًا، عنفًا يلبس هيئة اللباقة، أو عدوانية تعويضية تصدر عن ضعف مهدور الكرامة. الصراع داخل بيئة العمل، ومحاولات الترقّي على حساب الآخرين، والانفجارات الغاضبة في الشارع، كلها لا تُفهم هنا كحوادث منفصلة، بل كتجليات لاقتصاد افتراس متبادل تحكمه الرغبة في إثبات الذات، واسترداد الاعتبار، والسيطرة على الحيز.

وتغدو «زحمة السير» مثالًا كاشفًا على هذا الوضع. فهي ليست مجرد إزعاج عمراني، بل مختبر يومي لانكشاف ما يتخفى تحت مظاهر التحضر. الشخص الذي يهان في العمل أو يرزح تحت سلطة لا يستطيع الرد عليها، قد يعيد إنتاج عنفه في الشارع تجاه من هو أضعف منه أو أقل قدرة على المقاومة. بهذا المعنى، تعمل المدينة كمساحة لتدوير الإذلال: من القمة إلى القاعدة، ومن المركز إلى الهامش، ومن المؤسسة إلى الفرد، ثم من الفرد إلى آخرين.

هنا تبرز المفارقة المركزية: الإنسان الحديث يعتقد أنه غادر الغابة لأنه بنى المؤسسات والطرق والمحاكم والعقود، لكن ما تقوله هذه النصوص هو أنه لم يغادرها قط؛ لقد اكتفى «بتغيير ديكورها». فالأنياب والمخالب لم تختف، بل تحولت إلى قوانين، ومناصب، وتدرجات إدارية، وخطابات مهنية، وآليات تصنيف اجتماعي. هكذا يصير التحضر نفسه شكلًا أكثر تعقيدًا من أشكال تنظيم الافتراس.

الشيزوفرينيا بوصفها صحوة: نقد وهم التحضر

في هذا الإطار يكتسب نص مذكرات شيزوفريني أهميته الخاصة. فالشخصية التي تُصنّف بوصفها فاقدة للتماسك العقلي لا تُقدَّم هنا بالضرورة كحالة مرضية خالصة، بل كوعي مضطرب لأنه يرى ما تعجز البصائر المؤسسية عن تحمله. إن “الجنون” في هذا النص لا يبدو غيابًا للحقيقة، بل «صحوة مرعبة» على حقيقتها.

يرى هذا الشاهد المدن كأنها مستعمرات اقتطعها البشر ظلمًا من الغابة الأصلية. التحضر، في نظره، ليس إلا هذيانًا جماعيًا يغلف قانون الغاب بطبقة هشة من التنظيم والإنكار. وحتى حين يتخيل الحيوانات الحقيقية واقفة على أطراف المدن تنتظر انهيار الحضارة كي تسترد مجالها، فإن هذا التخيل لا يعمل فقط بوصفه صورة شاعرية غرائبية، بل بوصفه نقدًا جذريًا لوهم السيادة الإنسانية.

الصراع الذي يعيشه هذا الشاهد ليس بين العقل واللاعقل بالمعنى الطبي البسيط، بل بين «الرغبة في السمو» و«الوحشية الكامنة في الجسد والمجتمع». والوعي، في هذا السياق، لا يحرر الإنسان، بل يضاعف عذابه؛ لأنه يجعله يدرك الافتراس ثم يواصل العيش داخل نظام يقتات عليه. ولهذا تبدو الأخلاق والمنطق، في هذا المنظور، لا كبدائل عن العنف، بل كآليات لتبريره وتنظيمه كي لا يتحول إلى فناء شامل وفوري.

هكذا يقدم أسليم الشيزوفرينيا ليس بوصفها موضوعًا طبيًا فحسب، بل كعدسة تكشف هشاشة سردية التحضر. فالمجنون ليس دائمًا من انفصل عن الواقع، بل قد يكون من انفصل عن «الكذبة المؤسسة للواقع».

الجسد المستباح: من السيادة إلى الاستعمار البيولوجي

إذا كان الإنسان في الفضاء الاجتماعي يمارس الافتراس ويقع ضحية له في الوقت ذاته، فإن النصوص تمضي أبعد من ذلك حين تُسقط وهم السيادة على «الجسد نفسه». فالإنسان لا يملك جسده كما يتخيل، ولا يقيم فيه بوصفه سيدًا مطلقًا، بل يسكن كيانًا هشًا يمكن اختراقه من الداخل بواسطة كائنات لا تُرى بالعين المجردة.

هنا يشتغل السرد على تحويل الميكروبات والفيروسات والبكتيريا إلى «شعوب وقبائل ومستعمرات»، تعبر حدود الجسد دون أن تعترف بقوانينه أو رموزه أو أوهامه الاجتماعية. فبالنسبة إلى هذه الكائنات الدقيقة، لا يمثل الجسد البشري ذاتًا متعالية أو كيانًا ذا كرامة، بل مجرد بيئة خصبة للاستيطان والتكاثر والتغذي. المرض، في هذا التصور، ليس مجرد خلل فيزيولوجي، بل «غزو بيولوجي» يكشف أن الكيان الذي نسميه “أنا” مفتوح دومًا على التسلل والانتهاك.

هذه الرؤية تقوّض الكبرياء البشري من أساسه. فما نسميه صحة مستقرة أو جسدًا منيعًا ليس سوى توازن مؤقت داخل نظام معقد من الصراعات المجهرية. نحن لسنا قلعة محصنة، بل مجالًا حيًا لتبادل القوى، ومائدة محتملة لكائنات متناهية الصغر قد تعيدنا، في النهاية، إلى عناصرنا الأولية. وبذلك لا يعود العنف ظاهرة خارجية، بل يصبح جزءًا من «الاقتصاد الداخلي للحياة نفسها».

والأهم أن هذا التفكيك لا يعمل فقط على تخفيض مركزية الإنسان، بل يضعه في موضع الفريسة. فالكائن الذي تخيل نفسه سيدًا على الطبيعة، ومشيدًا للحضارة، ومُنظِّمًا للمجتمع، يكتشف أنه قابل للانهيار بفعل ما لا يراه أصلًا. ومن ثم، فإن الافتراس ليس فقط ما نفعله بالآخرين، بل أيضًا ما يحدث فينا ومن خلالنا.

من الميكروب إلى المجرة: العنف بوصفه قانونًا كونيًا

لا يتوقف التحليل عند المستوى البيولوجي، بل يقفز إلى الضد منه ظاهريًا: «المستوى الكوني». فإذا كان الإنسان عرضة لغزو الميكروبات في الداخل، فإنه في الخارج ليس سوى كائن ضئيل على كوكب هش، داخل كون لا يعرف الرأفة ولا الغاية الأخلاقية. وهنا يكتسب العنف بعدًا آخر: لم يعد مجرد صفة للعلاقات أو للأجساد، بل تحول إلى «قانون فيزيائي كوني».

تصطدم الكواكب، وتبتلع المجرات مجرات أخرى، وتتبادل المادة والطاقة في صمت مهيب لا يكترث بالسرديات البشرية عن الخير والشر والبطولة والخلود. وفي ضوء هذا المقياس، تبدو تواريخ الإنسان، وإمبراطورياته، وأحلامه، وابتكاراته، وحتى قصص حبه، لحظات عابرة إلى حد التلاشي. فالزمن الكوني يضع كل ادعاء بالثبات أو التفوق في موضع السخرية.

ومع ذلك، فإن أهمية هذا الأفق ليست في إذلال الإنسان فحسب، بل في إعادة تأطير معنى العنف ذاته. فهو ليس خللًا طارئًا في نظام كان ينبغي أن يكون مسالمًا، بل «أحد شروط الحركة والتبادل والتحول». المرض، والموت، وافتراس الخلايا، وتصادم الأجرام، كلها ليست استثناءات على طبيعة العالم، بل هي منطق اشتغاله ذاته. الحياة والموت، ضمن هذا التصور، ليسا ثنائية أخلاقية، بل مساران متداخلان لتداول المادة والطاقة.

هذا الفهم يربط بين مستويات تبدو منفصلة: من الصمت المتوتر في غرفة النوم إلى الغضب في الشارع، ومن الجراثيم إلى المجرات. كل ذلك ليس إلا تنويعات مختلفة على منطق واحد: «الافتراس بوصفه بنية عامة للوجود».

بين العدمية والشفقة: ماذا يبقى للإنسان؟

قد يبدو هذا المسار كله مؤديًا بالضرورة إلى العدمية: إذا كانت العلاقات مشروطة بالعنف، والتحضر قناعًا للغابة، والجسد مستباحًا، والكون نفسه لا يعبأ بنا، فما الذي يبقى من قيم الحب، أو التعاطف، أو السلام، أو الكرامة؟ غير أن قوة نصوص أسليم تكمن تحديدًا في أنها لا تستقر في هذا الفراغ.

فالإدراك القاسي للهشاشة المشتركة لا يفضي هنا إلى إنكار الإنسان، بل إلى «إعادة تأسيس التعاطف على أساس أكثر صدقًا». حين يدرك الفرد أن من يختلف معه، أو ينافسه، أو يؤذيه، ليس بدوره سوى كائن هش، معرض للانكسار والموت والاختراق البيولوجي والزوال الكوني، فإن الغرور يتصدع، وتفقد النزعة النرجسية كثيرًا من صلابتها. عندها لا يعود التعاطف وهمًا مثاليًا، بل استجابة واعية لوضع مشترك من الضعف.

 

بهذا المعنى، لا تأتي الشفقة من إنكار الشر أو التظاهر بأن الإنسان بريء بطبعه، بل من الاعتراف بأن الجميع يعيشون تحت القانون نفسه، ويقاومون الفناء بأدوات متواضعة، وغالبًا بائسة. ومن ثم، يمكن فهم النزاعات اليومية، لا بوصفها مجرد تفاهات، ولا بوصفها أحداثًا كونية عظمى، بل كتجليات “مايكرو-كونية” لصراع أوسع من الجميع. إنها محاولات متشنجة لخلق معنى ووهم سيطرة وحدود داخل عالم لا يضمن شيئًا.

هنا بالضبط تستعيد الأخلاق معناها الممكن. فليست الأخلاق نفيًا للطبيعة العنيفة، بل جهدًا ضدها؛ وليست الشفقة إنكارًا للوحشية، بل معرفة بها ثم اختيارًا بعدم الاستسلام الكامل لمنطقها.

خاتمة: الحب والسلام بوصفهما تمرّدًا بطوليًا

ما تطرحه العوالم السردية لمحمد أسليم في هذا الأفق ليس احتفاءً بالعنف، بل كشفًا جذريًا عن رسوخه وعموميته. ومن خلال هذا الكشف، يُعاد طرح سؤال الحب، والسلام، والرعاية، لا بوصفها حالات طبيعية أو معطيات بداهية، بل بوصفها «أعمال مقاومة» ضد قانون أوسع وأعمق.

إذا كان الجسد والشارع والمؤسسة والكون كله يعمل وفق منطق الافتراس والتبادل العنيف، فإن كل محاولة لبناء مودة، أو صون هشاشة الآخر، أو كبح الرغبة في السيطرة، تكتسب قيمة استثنائية. فالحب، في هذا السياق، لا يكون سذاجة رومانسية، بل شجاعة. والسلام لا يكون غيابًا للصراع، بل قدرة شاقة على تعليقه، وإدارته، وتخفيف كلفته. أما التعاطف، فليس زينة أخلاقية، بل انتصار مؤقت ومتواضع على البنية التي تدفع الجميع نحو الأذى المتبادل.

ومن هنا، فإن السؤال الذي تتركنا معه هذه النصوص يظل مفتوحًا ومقلقًا: هل الحب والرحمة والعدل هي أعظم أشكال التمرد التي ابتكرها الإنسان ضد قسوة الكون؟ أم أنها، في نهاية المطاف، مجرد أقنعة أكثر رهافة تخفي أنيابنا ومخالبنا؟

إن قوة أدب محمد أسليم تكمن في أنه لا يريح قارئه بإجابة نهائية، بل يدفعه إلى الإقامة داخل هذا التوتر نفسه: التوتر بين الوحشية والشفقة، بين الغابة والمدينة، بين الافتراس والرعاية، وبين وهم السيادة وحقيقة الهشاشة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة