من الجثة إلى الوعي: شعرية الاحتضار وتفكيك وهم الحياة في مشروع محمد أسليم السردي

منذ ساعتين مشاهدةآخر تحديث :
من الجثة إلى الوعي: شعرية الاحتضار وتفكيك وهم الحياة في مشروع محمد أسليم السردي

تفتتح الخطوة الأولى من البحث في العوالم السردية للكاتب محمد أسليم أفقًا نقديًا وإبداعيًا شديد الخصوصية، خصوصًا حين نتوقف عند كتابه حديث الجثة بوصفه نصًا لا يكتفي بتمثيل الموت، بل يتخذ منه موقعًا للرؤية وإنتاج المعرفة. نحن هنا لا نجد أنفسنا أمام سرد تقليدي يصف الفناء من الخارج، ولا أمام رواية تستثمر الموت كحدث درامي ينتهي إليه المسار الحكائي، بل أمام كتابة تنقل مركز الإدراك نفسه من عالم الأحياء إلى تخوم ما بعد الحياة، بحيث تصبح الجثة لا موضوعًا للنظر، بل ذاتًا ناظرة، ووعيًا مفارقًا يعيد مساءلة الأحياء ويكشف هشاشة يقينهم الوجودي.

بهذا المعنى، يخلخل أسليم أحد أكثر الثنائيات رسوخًا في الوعي البشري: الحياة/الموت. فالخط المستقيم الذي اعتادت المخيلة الحديثة أن تراه نهاية قاطعة، يتحول في هذا النص إلى عدسة مكبرة نرى عبرها عالم الأحياء من زاوية لم نألفها. ومن ثم، فإن القيمة الجمالية والفكرية لـ «حديث الجثة» لا تكمن في جرأة موضوعه فحسب، وإنما في الكيفية التي يجعل بها الموت مركزًا للرؤية، ومنصة لتفكيك الأوهام المؤسسة للذات الحديثة: وهم التماسك، وهم الملكية، وهم السيادة على الجسد، ووهم الوعي نفسه.

الجثة بوصفها موقعًا للرؤية

ينبني أحد أكثر الانزياحات راديكالية في نص أسليم على قلب موقع السارد. ففي الأدب الكلاسيكي، يُروى الموت عادة من مسافة آمنة: شخصيات تواجهه، أو تتأمله، أو تفجع به. أما في حديث الجثة، فإن هذه المسافة تنهار تمامًا، لأن السرد لا يصدر عن حيّ يتأمل الفناء، بل عن كيان عبر الموت واتخذ من الجثة موضعًا للإبصار.

هذا التحول ليس مجرد حيلة تخييلية، بل استراتيجية فلسفية وجمالية معقدة. فالجثة الممددة، في وعيها ما بعد الإنساني، تراقب الأحياء وهم يسارعون إلى غسلها وتكفينها ودفنها، ليس باعتبارهم ذواتًا رحيمة تؤدي واجبها الأخلاقي، بل بوصفهم كائنات مذعورة تسعى إلى التخلص السريع من عبء يذكّرها بهشاشتها. في هذه اللحظة، ينقلب المنظور المعتاد: لم يعد الأحياء هم من ينظرون إلى الموت بخوف، بل صار الموت نفسه هو من ينظر إليهم بكشفٍ صارم، ويرى في طقوسهم استعجالًا دفاعيًا للعودة إلى أوهام الاستمرارية.

هنا تصبح الجثة في نص أسليم مركزًا نقديًا، لا بقايا جسد. إنها الموضع الذي تتعرّى فيه الحياة اليومية، ويظهر الأحياء كما لو كانوا آلات تنفذ طقوسًا مبرمجة، دون وعي حقيقي بما يفعلون. ومن ثم، فإن السؤال الذي يطرحه النص ليس: ماذا يعني أن نموت؟ بل: هل الأحياء، في صيغتهم المطمئنة والمألوفة، يحيون فعلًا؟

تفكيك الكوجيتو: من “أنا أفكر” إلى “أنا جثة”

يكتسب هذا التموقع السردي دلالته الأعمق حين يُقرأ في ضوء التفكيك الذي يمارسه النص على الإرث الديكارتي. فإذا كانت الحداثة الفلسفية قد أسست الوجود على مقولة “أنا أفكر إذن أنا موجود”، فإن نص أسليم يقترح، ضمنيًا، انقلابًا جذريًا على هذه المعادلة. الوعي لم يعد هنا مشروطًا بجسد حيّ يعمل وفق انتظامه البيولوجي، بل يتولد paradoxically في منطقة الانهيار ذاتها، في الاحتضار، في ما بعد الجسد، في لحظة فقدان السيطرة لا في لحظة امتلاكها.

هذا التناقض الظاهري ــ جثة واعية تفكر وتراقب وتحاكم ــ ليس خللًا منطقيًا في بناء النص، بل هو قلب مشروعه كله. فأسليم لا يريد إقناع القارئ بحقيقة واقعية مفادها أن الجثة واعية، بل يدفعه إلى مواجهة محدودية تصوره التقليدي للوعي. إن الوعي، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه نشاطًا عصبيًا فحسب، بل بوصفه انكشافًا وجوديًا لا يتحقق إلا عندما تسقط الأقنعة التي تجعل الإنسان يلتبس على نفسه.

ومن هنا، يبدو الأحياء في النص أقل يقظة من الجثة ذاتها؛ لأنهم غارقون في النوم اليومي للعادة والروتين والطمأنينة الكاذبة. أما اليقظة الحقيقية فتنبثق من تخوم الموت، حيث لا يعود الإنسان “مالكًا” لنفسه، وحيث يفقد الجسد وضعه كأداة سيطرة ويتحول إلى شيء خارج دائرة الامتلاك.

اللغة بوصفها تشظيًا: شعرية الاحتضار

إذا كان النص يتكلم من خارج المدار الإنساني، فلا يمكن له أن يستعين بلغة بشرية مطمئنة، متوازنة، مصقولة. وهذا ما يمنح كتابة أسليم قوتها الخاصة. فالموت هنا لا يُصاغ في استعارات أنيقة، ولا يُجمّل عبر مجازات رفيعة تؤدي وظيفة التخفيف الرمزي، بل يُستحضر في ماديته العارية، في تقطعه، في تمزقه، في رائحته وملمسه وصدمته الحسية.

من هذه الزاوية، يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ شعرية الاحتضار في كتابة أسليم. فالنص لا يصف الانهيار من الخارج، بل يجعل اللغة نفسها تعيش هذا الانهيار. تتشظى الجمل، تتداخل الصور، وتفقد العبارة انسيابها العقلاني الهادئ، ليس لأنها عاجزة تقنيًا، بل لأنها تحاول أن تكون أمينة لتجربة لا يمكن للعقل المعياري أن يحتويها. إن اللغة، في هذه الكتابة، لا تمثل الجسد الممزق فقط، بل تتمزق معه.

ذلك ما يجعل النثر عند أسليم يقترب من صيغة يمكن وصفها بـ «النثر المتوحش»: نثر لا يزيّن القبح، بل يرفعه إلى مستوى الحقيقة الفنية؛ ولا يموّه التشويه، بل يجعل منه أداة اختراق للوعي. وفي هذا المستوى، يغدو الهذيان ليس نقيض المعنى، بل شكله الوحيد الممكن حين تتفكك الذات وتفقد وحدتها المزعومة. فحين تنقسم الأنا، لا يعود المنطق المألوف قادرًا على التعبير عنها، وتصبح اللغة المتشظية هي الأداة الصادقة الوحيدة.

الجسد الممزق والاقتصاد العام: أسليم في ضوء جورج باتاي

تزداد أهمية هذا المشروع حين نضعه في أفقه الفلسفي، خصوصًا من خلال صلته العميقة بأفكار جورج باتاي. للوهلة الأولى، قد يبدو الربط بين جثة ممزقة على طريق سريع وبين مفاهيم فلسفية مثل الإسراف أو الإنفاق دون تحفظ ربطًا بعيدًا. غير أن هذا التباعد الظاهري يتبدد حالما نفهم أن باتاي لا يتحدث عن الاقتصاد بوصفه نظامًا ماليًا فحسب، بل بوصفه منطقًا عامًا ينظم علاقة الإنسان بالطاقة والجسد والوجود.

يميز باتاي بين اقتصاد محدود يقوم على الإنتاج والتراكم والادخار والحفاظ على الحياة، واقتصاد عام تنكشف فيه الحقيقة القصوى للإنسان في لحظات الاستهلاك والتبذير والتدمير والانفلات من منطق المنفعة. وفي هذا الإطار، لا يمثل الموت ولا الجنون ولا التجربة الإيروتيكية حدودًا طارئة على الوجود، بل تجليات قصوى لذلك الإنفاق الذي يبدد الذات ويخرجها من انتظامها الوظيفي.

هنا يلتقي أسليم بباتاي في العمق. فالجسد الممزق، والجثة الواعية، والهذيان، والتشظي اللغوي، كلها ليست موضوعات منفصلة، بل تنويعات على تجربة واحدة: تجربة اختراق الحدود. إن الإنسان يبلغ في هذه النصوص أقصى درجات انكشافه لا حين يبني ذاته ويحافظ عليها، بل حين تتصدع وتتفكك وتفقد سيادتها. ولذلك لا يمكن كتابة مثل هذه التجربة بلغة محافظة على شكلها المريح؛ فشكل النص نفسه يجب أن يدخل في منطق التبديد الذي يعلنه.

ومن هذه الجهة، يمكن استحضار ملاحظة جاك دريدا حول الكتابة التي لا تفصل بين الشكل والمضمون. فكتابة التمزق لا بد أن تكون بدورها ممزقة، وكتابة الاحتراق لا بد أن تحرق أدواتها الخاصة. ولهذا يبدو نص أسليم كما لو أنه لا يكتب عن النار، بل يكتب بالنار نفسها.

الكتابة القربانية ومقاومة الثقافة الاستهلاكية

لا تقف قيمة هذا الأدب عند حد تمثيل العنف الوجودي، بل تتجاوزه إلى ما يمكن تسميته الكتابة القربانية. في هذا الأفق، لا يعود الكاتب صانع نصوص متقنة للاستهلاك الجمالي، بل كائنًا يضع لغته وذاته في منطقة الخطر، ويحوّل الكتابة إلى ممارسة حدّية تتطلب قدرًا من التضحية والتمزيق. النص، هنا، ليس زينة بل قربانا؛ وليس وسيلة نقل، بل ميدان مواجهة.

ومن ثم، يكتسب مشروع أسليم بعدًا نقديًا حادًا في علاقته بالثقافة الحديثة. فالثقافة الاستهلاكية تميل إلى ترويض الأدب، وتحويله إلى مادة للترفيه الآمن أو الحكمة الجاهزة أو التذوق المعقم. أما كتابة من نوع حديث الجثة، فهي تتمرد على هذا التدجين كليةً؛ لأنها تعيد الأدب إلى أصله الصادم: إلى قدرته على جرح الوعي، وعلى إجبار القارئ على التخلي عن موقعه المريح.

إن هذا النوع من الكتابة لا يسمح بقراءة مطمئنة. فهو لا يمنح القارئ عزاءً سريعًا، ولا يقدّم له سردية أخلاقية جاهزة. على العكس، إنه يدفعه إلى مواجهة جسده الخاص بوصفه مادة فانية، وإلى إدراك أن محاولته المستمرة لإنكار هذه الحقيقة هي ما ينتج قلقه المزمن وعصابه الوجودي. وهكذا تصبح الكتابة القربانية مقاومة رمزية وجمالية لعالم يريد أن يخفي الموت، ويحوّل الفقد إلى شأن تقني بارد.

وهم الوحدة واستعادة الهشاشة البشرية

يتمثل أحد أكثر المفاهيم مركزية في هذا الأفق في وهم الوحدة: الاعتقاد بأن الإنسان كيان صلب، مغلق، مستقل، ومتملك لذاته على نحو مستقر. يشتغل نص أسليم على هدم هذا الوهم بعنف محسوب. فالجسد ليس ملكية نهائية، والذات ليست وحدة متماسكة، والحياة ليست ضمانة ضد التمزق. إن حادثة سير، أو مرضًا عابرًا، أو حتى قراءة نص متطرف، قد تكون كافية لتذكير الإنسان بأنه هش، قابل للانكسار، ومفتوح على الفناء منذ اللحظة الأولى.

غير أن هذا الكشف، على قسوته، لا يقود بالضرورة إلى العدمية أو اليأس. بل يمكن القول إن إحدى المفارقات العميقة في كتابة أسليم هي أنها تبلغ هذا القدر من العنف لكي تحرر الإنسان من الخوف نفسه. فعندما ندرك أن الحياة ليست سوى احتضار ممتد بين صرخة الولادة وأنفاس النهاية، فإن الرعب المرضي من الموت يفقد جزءًا كبيرًا من سطوته. ليس لأن الموت يهون، بل لأن إنكاره يغدو أقل قابلية للاستمرار.

ومن هنا، تؤدي هذه النصوص وظيفة تفكيكية نبيلة: إنها تحطم السرديات المريحة والمعقمة التي تنتجها الثقافة اليومية، وتعيد الإنسان إلى شرطه المادي الأصلي. إنها تذكره بأن الجسد يمرض ويتألم ويفنى، وأن التصالح مع هذه الحقيقة، مهما كان مؤلمًا، أكثر صدقًا من العيش داخل وهم السيطرة والخلود.

الأدب في مواجهة محو الموت

يكتسب هذا المنظور راهنيته القصوى حين نضعه في سياق الحضارة المعاصرة، وهي حضارة تميل باطراد إلى إخفاء الموت، ونزع طابعه الرمزي والطقسي، وتحويله إلى واقعة تقنية تُدار في المستشفيات والمؤسسات المتخصصة بعيدًا عن الوعي الجماعي. لم يعد الموت جزءًا مرئيًا من دورة الحياة المشتركة، بل أصبح شيئًا محرجًا يُسارع إلى إبعاده عن الأنظار.

في هذا السياق، تبدو كتابة أسليم أشبه بفعل مقاومة ضد هذا المحو المنهجي. فهي تستعيد الجثة إلى قلب المشهد، لا لتمجيد العنف، بل لتذكيرنا بما نحاول نسيانه بشراسة: أننا كائنات زائلة، وأن الهشاشة ليست عطبًا طارئًا في النظام، بل هي جزء من نسيج وجودنا نفسه. وهنا يغدو الأدب، في أقصى تجلياته، نشيد موت بالمعنى العميق للكلمة: ليس رثاءً سلبيًا، بل محاولة لترميم الفقد الوجودي واستعادة ما فقدته الحياة الحديثة من قدرة على التأمل والحداد والاعتراف بالنهاية.

خاتمة: من الخط المستقيم إلى الوعي المختلف

إذا كان الخط المستقيم في شاشة جهاز تخطيط القلب يرمز، في المخيال العام، إلى النهاية المطلقة، فإن حديث الجثة يدعونا إلى قراءته قراءة أخرى: لا بوصفه توقفًا نهائيًا فحسب، بل بوصفه بداية ممكنة لنمط آخر من الوعي. وبهذا المعنى، لا يقدم محمد أسليم أدبًا عن الموت فقط، بل أدبًا يضع الحياة نفسها موضع مساءلة جذرية.

إن قوة هذا المشروع لا تكمن في سوداويته الظاهرة، بل في طاقته الفلسفية على زعزعة بداهاتنا الأكثر رسوخًا. فالأحياء الذين يجرون في دوامة اليومي دون أن يتوقفوا لتأمل فنائهم، قد يكونون، paradoxically، أقرب إلى الموت من تلك الجثة التي امتلكت وعيًا نافذًا بحقيقة الوجود. وهنا تبلغ كتابة أسليم أقصى مفارقتها: الموت ليس دائمًا نقيض الحياة، بل قد يكون مرآتها الأكثر صفاءً.

بهذا، يفرض مشروع العوالم السردية نفسه بوصفه كتابة حدّية، تمتحن قدرة الأدب على قول ما يتجاوز اللغة المطمئنة، وتستعيد له وظيفته الأكثر خطورة: أن يوقظ الإنسان من أوهامه، حتى لو كان ثمن هذا الإيقاظ هو المرور عبر الجثة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة