مقدمـة
تبدو الكتابة السردية لدى محمد أسليم، للوهلة الأولى، وكأنها تنتمي إلى تخييل غرائبي يبالغ في تشويه الواقع، ويستعين بصور صادمة من قبيل الجثة الناطقة، أو الراوي المجنون، أو الإدارة التي تتحول إلى متاهة كابوسية، أو اللغة التراثية حين تُسحب من قدسيتها لتُزرع في تربة الفساد. غير أن هذه الغرابة ليست زينة أسلوبية، ولا انحرافًا عن الواقع، بل هي، في العمق، وسيلة دقيقة لاختراقه. فكلما ازدادت الصورة السردية غرابة، ازداد الواقع انكشافًا؛ وكلما اشتدت السخرية، اتضحت البنية التي تحكم المؤسسات وتعيد إنتاج الطاعة والاغتراب والفساد.
من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة نصوص مثل حديث الجثة وأشباه قصص وكشف الغمة في بعض مفسدي الأمة بوصفها مجرد أعمال أدبية تمتح من الخيال السوداوي، بل ينبغي التعامل معها باعتبارها مشروعًا نقديًا متكاملًا، يضع المؤسسة الحديثة تحت مجهر السخرية العجائبية. فالمدرسة، والإدارة، والمؤسسة الأكاديمية أو الدينية، لا تظهر في هذه النصوص باعتبارها أجهزة محايدة لتنظيم الحياة الجماعية، بل تتبدى بوصفها بنىً تمارس العنف الرمزي والمادي معًا، وتعيد تشكيل الإنسان بما يجعله أكثر قابلية للخضوع، وأبعد عن التفكير الحر.
هكذا يتحول الأدب عند أسليم إلى «مشرط جراحي» لا يكتفي بسرد الوقائع أو تمثيل الأزمات، بل يعرّي الأقنعة التي اعتدناها حتى ظننا أنها وجوه حقيقية: قناع العقلانية، قناع الوقار المؤسساتي، قناع التعليم، قناع الخدمة العمومية، وقناع القداسة اللغوية. وفي هذا كله، تصبح السخرية العجائبية أداة للمعرفة بقدر ما هي أداة للهدم.
الجثة والمجنون: الوعي من خارج معيار العقل
من أكثر الصور إرباكًا في مشروع أسليم السردي تلك التي تجعل «الجثة واعية» و«المجنون مبصرًا». ففي نص حديث الجثة، لا تكون الجثة مجرد موضوع للرؤية، بل تتحول إلى ذات ناظرة تحلل العالم المحيط بها بوعي حاد ومنطقي. وهذا القلب الجذري للموقع السردي ليس مجرد افتتان بالغرابة، بل استراتيجية فكرية دقيقة: إذ تُمنح القدرة على الرؤية لمن يقع خارج ما تعترف به المؤسسة معيارًا للعقل واليقظة.
في هذا الأفق، لا يعود المجنون شخصية ناقصة أو مختلة تحتاج إلى تأطير طبي، بل يصبح حاملًا لشكل آخر من الوعي؛ وعيٍ لا تتيحه الحياة المبرمجة داخل المجتمع المنضبط. إن الجنون في هذه النصوص لا يظهر باعتباره انهيارًا للعقل، بل بوصفه «يقظة عنيفة» داخل عالم يخضع لسبات العادة والروتين والامتثال. أما الجثة، فقد تحررت من كل ما يقيّد الأحياء: من الخوف الاجتماعي، ومن الحاجة إلى القبول، ومن الالتزام بقواعد اللياقة المؤسسية. ولذلك، تصير أقدر منهم على رؤية عبث العالم وفضح زيفه.
هذا التموقع السردي يعني ضمنًا أن معيار العقلانية السائد ليس بريئًا. فـ”العاقل” في النظام المؤسسي هو، غالبًا، ذاك الذي يتقن الطاعة ويعيد إنتاج اللغة السائدة دون مقاومة. أما من يرى ما يجب ألا يُرى، أو يقول ما لا يُسمح بقوله، فيُدفع سريعًا إلى هامش الجنون أو الشذوذ. ومن ثم، فإن نصوص أسليم تعيد فتح السؤال الجوهري: «من هو المجنون حقًا؟» أهو من يختل عن نظام مختل، أم من ينسجم تمامًا مع عبثه؟
المؤسسة وإنتاج الجنون: تقاطع أسليم مع مأساة سيميلفيس
يكتسب هذا التصور عمقًا إضافيًا حين يوضع في ضوء التقاطع الذي تستدعيه بعض القراءات بين محمد أسليم والكاتب الفرنسي لويس-فردينان سيلين، ولا سيما عبر استحضار شخصية الطبيب المجري إغناتس سيميلفيس. تكمن أهمية هذه الشخصية في كونها تمثل نموذجًا صارخًا للعقل الذي اصطدم بالمؤسسة فدفع ثمن وضوحه.
لقد اكتشف سيميلفيس، في القرن التاسع عشر، أن غسل أيدي الأطباء وتعقيمها قبل الانتقال من تشريح الجثث إلى غرف الولادة كفيلٌ بالحد من وفيات النساء بحمى النفاس. كان الحل بسيطًا، عقلانيًا، وقائمًا على الملاحظة الدقيقة. غير أن المؤسسة الطبية، بدل أن تستجيب للحقيقة، واجهته بالسخرية والرفض والعداء. إن ما تكشفه هذه الواقعة ليس مجرد خطأ تاريخي في الطب، بل بنية أعمق: المؤسسة قد ترفض الحقيقة لا لأنها غير صحيحة، بل لأنها تهدد غرورها الداخلي وتفضح تكلسها.
في هذا السياق، تتقاطع رؤية أسليم مع هذا النموذج المأساوي. فالمؤسسة، سواء كانت طبية أو تعليمية أو إدارية أو رمزية، لا تكتفي بتنظيم الحياة، بل كثيرًا ما تتحول إلى جهاز يقاوم كل رؤية تكشف عواره. وعندما يصطدم الفرد بحقيقتها ويصر على التسمية، يُحاصر، ويُتهم بعدم التكيف، وقد يُدفع إلى الجنون أو العزلة أو الإقصاء. هكذا لا يكون الجنون هنا حالة ذاتية خالصة، بل أثرًا من آثار «الاصطدام بين وضوح الفرد وعتمة المؤسسة».
بهذا المعنى، تشتغل الشخصيات الحدّية في عالم أسليم كحوامل للحقيقة. فهي ترى ما لا يراه الآخرون، لا لأنها فوق الواقع، بل لأنها لم تعد مندمجة بالكامل في لغته الرسمية. ومن هنا تأتي قوة الاستعارة التي تشبّه هؤلاء بشخص يرتدي نظارات للرؤية الليلية في وضح النهار: يبدو للناس مضطربًا، لكنه في الحقيقة يلتقط ما تعجز الأبصار المدجّنة عن التقاطه.
المدرسة بوصفها مصنعًا للطاعة: السولولو والزالوم بوبو
إذا كانت المؤسسة قادرة على إنتاج الطاعة، فإن المدرسة تمثل بدايتها الأكثر رسوخًا. وفي هذا المستوى، يطور أسليم عبر السخرية العجائبية بناءً نقديًا فريدًا، تتجلى عناصره في مفاهيم مثل «السولولو» و«الزالوم بوبو»، داخل عالم تخييلي يحيل، بسخرية مقصودة، إلى “الطروبريانديين”. هذا الاختيار ليس عشوائيًا، بل يشتغل بوصفه قلبًا أنثروبولوجيًا للمنظور: بدل أن تُدرس “القبيلة” بوصفها موقع البدائية، يُعاد النظر في المؤسسة التعليمية الحديثة نفسها بوصفها جهازًا طقوسيًا غارقًا في الخرافة والامتثال.
في هذا العالم، يمثل «السولولو» وهم المعرفة. إنه ذلك الغلاف البلاغي الذي يكسو عملية الحفظ الميكانيكي ويمنحها مظهر العمق والإلهام. غير أن الحقيقة مختلفة تمامًا: فالنظام التعليمي، كما يقدمه النص، لا يعلم المتعلم كيف يفكر، بل كيف يعيد إنتاج ما سُمع أو كُتب بصورة مطابقة. وهكذا يصبح النجاح الدراسي قرينًا بالدقة في الترديد، لا بالقدرة على الفهم أو التساؤل أو التفكيك.
إن السولولو، بهذا المعنى، هو «اقتصاد كامل لإعادة القول». الطالب يُكافأ لأنه صار صدى، لا لأنه صار ذاتًا مفكرة. ويستدعي هذا التصور خبرة تعليمية تكاد تكون كونية: لحظة الحشو المكثف قبل الامتحان، ثم التفريغ على ورقة الاختبار، ثم النسيان شبه التام بعد الخروج من القاعة. في هذه الدورة العبثية، لا تُنتج المعرفة، بل تُنتج طقوس النجاح الشكلي.
أما «الزالوم بوبو»، فهو الوجه التأديبي لهذا الجهاز. لا يتعلق الأمر هنا بعقاب مباشر فحسب، بل بتقنية قمع خفي تتسلل إلى الداخل النفسي للمتعلم. فالعقاب لا يعود مجرد أداة خارجية مرئية، بل يتحول إلى رقابة ذاتية، حيث يتعلم الفرد أن يضبط نفسه بنفسه، وأن يعاقب ذاته قبل أن تعاقبه السلطة. هكذا تنتج المدرسة أجسادًا منضبطة وعقولًا قابلة للامتثال. وما تكشفه السخرية هنا هو أن المؤسسة التعليمية، حين تنفصل عن الحرية والنقد، لا تصنع المعرفة بل «تصنع الطاعة».
البيروقراطية أو الموت اليومي البطيء
إذا خرج الفرد من المدرسة محمّلًا بآليات الطاعة، فإنه يواجه في العالم الخارجي جهازًا آخر لا يقل قسوة: «البيروقراطية». وفي نصوص أشباه قصص، لا تُصور الإدارة بوصفها فضاءً روتينيًا مملًا فحسب، بل ككيان يقتات على الزمن البشري ويستهلكه بلا رحمة. هنا تبلغ السخرية السوداء ذروة لافتة، خصوصًا حين تُعرض الإدارة باعتبارها بنية منفصلة تمامًا عن غاياتها الأصلية.
القصة التي يُطلب فيها من المواطن إحضار وثائق بحجم شاحنات، أو يُرفض طلبه لأن حماره أصغر من أن يحمل كل الأوراق اللازمة، لا تنتمي إلى الكوميديا المجانية، بل إلى منطق كاشف. فالمبالغة هنا ليست تهويلًا بلا وظيفة، وإنما أداة لإظهار الجوهر العبثي الذي يحكم المؤسسة الإدارية حين تتحول الوسيلة إلى غاية، والإجراء إلى سلطة مستقلة عن الإنسان الذي وُجدت لخدمته.
في هذا العالم، لا يواجه المواطن موظفًا بقدر ما يواجه قوة غامضة، لا تُفهم آلياتها، ولا تُجادل، ولا تُخضع نفسها لأي معيار إنساني سوي. ولذلك يمكن الحديث، مع نصوص أسليم، عن «الموت البيروقراطي» أو «الموت اليومي البطيء»: ذلك الشكل من الفناء الذي لا يأتي مرة واحدة، بل يتوزع على طوابير الانتظار، والأختام، والشبابيك، والأوراق، وامتهان الكرامة. فالإدارة لا تقتل الجسد مباشرة، لكنها تستنزف العمر وتحول الإنسان إلى رقم في ملف ورقي راكد.
تكشف هذه الرؤية مفارقة الحداثة الإدارية: الأداة التي ابتُكرت لتنظيم المجتمع وحفظ مصالحه يمكن أن تنقلب إلى جهاز يسحق الفرد باسم النظام ذاته. وعندما تصبح سلامة الورقة أهم من حياة الإنسان، وتغدو الإجراءات غاية قائمة بذاتها، نكون إزاء انفصال المؤسسة عن معناها الأصلي. وهنا تؤدي السخرية دورها بوصفها أداة فضح: إنها ترد العبث الإداري إلى حقيقته العارية، وتكشف كم يبدو “المنظم” أكثر لا عقلانية من الفوضى ذاتها.
كشف الغمة أو فضح الفساد الرمزي
إذا كانت المدرسة تنتج الطاعة، والإدارة تستهلك الزمن، فإن المؤسسة الأكاديمية أو الدينية تمارس شكلًا آخر من الهيمنة، هو «الهيمنة على اللغة والمعنى». في هذا المستوى، يبلغ أسليم في كشف الغمة في بعض مفسدي الأمة ذروة براعته النقدية واللغوية. فهو لا يواجه الفساد بخطاب وعظي أو هجاء تقريري مباشر، بل يستخدم تقنية أكثر خطورة وفاعلية: «السطو على المعجم التراثي» نفسه.
يعمد النص إلى استعارة كامل الجهاز اللساني الذي تمتلكه اللغة الفقهية والصوفية وكتب الطبقات والتراجم: الأقطاب، المشايخ، المقامات، المريدون، وصيغ الافتتاح من قبيل “قال المصنف رحمه الله” أو “حدثنا فلان”. غير أن هذا الاستحضار لا يروم محاكاة بريئة للتراث، بل توظيفه في سياق يكشف التناقض الفادح بين بهاء الشكل وفساد المضمون. وهكذا تتولد سخرية عميقة من هذا التطابق المعماري بين لغة الهيبة وواقع الانحطاط.
تكمن خطورة هذا المستوى من النقد في أن الفساد هنا لا يظهر بوصفه مجرد انحراف سلوكي لأفراد، بل بوصفه «اختطافًا للغة ذاتها». فعندما تستعمل مفردات الطهر والسمو والعفة والرتبة الروحية لتغطية الاستغلال والرياء والفساد، فإن الجريمة لا تقع في الممارسة وحدها، بل في تدنيس الرموز التي يفترض أن تؤسس إمكان النقد والمساءلة. لقد سُرقت من المظلوم، في هذه الحالة، حتى مفردات الشكوى. فاللغة التي كان يمكن أن يواجه بها الظلم قد أُعيد تدويرها لتخدم الظالم.
وهذا ما يمنح السخرية العجائبية عند أسليم بعدها التفكيكي الحاسم. فهي لا تهدم المؤسسات فقط، بل تهدم اللغة التي تحتمي بها هذه المؤسسات. إنها تكشف اللص المختبئ تحت ثياب الواعظ، وتعيد الكلمات إلى حجمها الحقيقي بعد أن كانت محنطة بهالة زائفة من القداسة والوقار.
السخرية العجائبية بوصفها أداة للمعرفة والمقاومة
تتضح، عبر هذه المحاور جميعًا، الوظيفة المركزية للسخرية العجائبية في مشروع محمد أسليم. فهي ليست أسلوبًا للتسلية، ولا انزلاقًا إلى العبث لأجل العبث، ولا تهكمًا مجانيًا على مظاهر الحياة المعاصرة. إنها، على العكس، «أداة إبستيمية» بامتياز: أي وسيلة لإنتاج معرفة نقدية بالواقع، عبر خلخلته وتغريبه وإظهاره في صورته التي تحجبها الألفة اليومية.
ذلك أن ما يبدو طبيعيًا في المؤسسة التعليمية أو الإدارية أو الرمزية، يكف عن طبيعته حين يُعاد تركيبه سرديًا على نحو عجائبي. وحين يصبح المألوف غريبًا، يمكن أخيرًا أن نراه. ومن هنا، فإن الضحك الذي تنتجه نصوص أسليم ليس نقيض الألم، بل وجهه الكاشف. إننا نضحك لأننا ندرك، فجأة، فداحة ما كنا نعدّه عاديًا.
لكن هذه السخرية، على سوداويتها الظاهرة، لا تقود بالضرورة إلى العدمية أو الاستسلام. بل لعل أهم ما تنجزه هو أنها تحول الوعي نفسه إلى فعل مقاومة. فحين يدرك القارئ زيف “السولولو” في التعليم، أو لا معقولية البيروقراطية، أو فساد اللغة حين تُختطف من قبل أصحاب السلطة الرمزية، فإن هذه المعرفة لا تبقى محض تشخيص، بل تصبح بداية ممكنة للتحرر. ليس التحرر هنا حدثًا سياسيًا مباشرًا، بل استعادة للقدرة على التفكير خارج البرمجة، وعلى الشك في البداهات، وعلى تسمية الأشياء بأسمائها.
خاتمة: شجاعة النظر إلى العبث
ما الذي تتركه لنا نصوص محمد أسليم في نهايتها؟ لعلها تضعنا أمام سؤال بالغ الصعوبة: إذا كانت المؤسسات التي نثق بها ــ المدرسة، الإدارة، المؤسسة الرمزية ــ تعمل، في جزء من بنيتها العميقة، على إنتاج الطاعة والامتثال واستنزاف المعنى، فما المساحة الحقيقية المتبقية للتفكير الحر؟
إن صورة الجثة التي تتكلم في بداية هذا المسار ليست مجرد مشهد صادم، بل مجاز دقيق لوعيٍ يجرؤ على النظر من خارج الأوهام التي تسند النظام اليومي. ومن ثم، فإن القيمة الكبرى لهذا الأدب لا تكمن في سوداويته، بل في شجاعته. إنه يدعونا إلى أن نرى، لا كما تريد لنا المؤسسات أن نرى، بل كما يكشف الواقع نفسه حين تسقط أقنعته. وهذا فعل مرهق ومزعج ومؤلم، لكنه ضروري.
بهذا المعنى، تمثل السخرية العجائبية عند محمد أسليم واحدة من أكثر الأدوات الأدبية قدرة على تشريح أمراض المجتمع المعاصر. إنها لا تكتفي بفضح الفساد، بل تكشف الشروط التي تجعل الفساد ممكنًا وقابلًا للاستمرار: اللغة المختطفة، الطاعة المتعلمة، الزمن المستنزف، والعقل الذي يظن نفسه حرًا بينما هو يُعاد إنتاجه يوميًا داخل مؤسسات لا تكف عن تشكيله. ولذلك فإن هذا الأدب لا يطلب من قارئه أن يستمتع بالغرابة فحسب، بل أن يمتلك، ولو قليلًا، «شجاعة الجثة»: شجاعة أن يرى العبث بوضوح، من دون أن يشيح بوجهه عنه.










