الجنون بوصفه أفقًا للكشف: الموت والكتابة وتصدّع الأنا في العوالم السردية لمحمد أسليم

منذ ساعتين مشاهدةآخر تحديث :
الجنون بوصفه أفقًا للكشف: الموت والكتابة وتصدّع الأنا في العوالم السردية لمحمد أسليم

قراءة في «كتاب الفقدان: مذكرات الشيزوفريني» ونصوص مجاورة

تتيح المادة موضوعُ الاشتغال هنا مدخلًا مناسبًا لقراءة تجربة محمد أسليم السردية من زاوية تشظي الذات وعلاقة الكتابة بالموت. فالمسألة المطروحة لا تتصل، في المقام الأول، بتمثيل حالة نفسية مخصوصة داخل العمل الأدبي، بقدر ما تتصل ببناء رؤية سردية تجعل من تصدّع الأنا أداةً لمساءلة البداهات التي يقوم عليها الوعي الحديث: وحدة الذات، واستقرار المعنى، وتماسك اللغة، والفصل المريح بين الحياة والموت. ومن هذه الزاوية تتركز القراءة أساسًا على «كتاب الفقدان: مذكرات الشيزوفريني»، مع الاستفادة من الصلات التي تقيمها المادة نفسها بين هذا النص وبعض نصوص محمد أسليم الأخرى، ولا سيما «حديث الجثة»، فضلًا عن الإحالات النقدية والفكرية التي ترد في سياق التحليل.

الشيزوفرينيا بوصفها استعارة نقدية

تقتضي هذه القراءة، منذ البداية، رفع الالتباس الذي قد ينشأ من اقتران النص بالشيزوفرينيا. فالمقصود هنا ليس التعامل مع الشيزوفرينيا بوصفها موضوعًا طبيًا أو عياديًا، ولا البحث عن تطابق بين الإبداع الأدبي ووصف سريري لحالة مرضية، وإنما النظر إليها بوصفها استعارة كبرى لتصديع الرؤية. وعلى هذا الأساس، لا تُستحضر الشيزوفرينيا من أجل تفسير النص تفسيرًا مرضيًا، بل من أجل إبراز الوظيفة النقدية التي تؤديها داخل بنائه: زعزعة التصورات المعيارية للذات والعالم، وكشف هشاشة الأنساق العقلانية التي تمنح الوجود اليومي صورة منسجمة ومطمئنة.

يفترض هذا المنظور أن العقل البشري يميل بطبيعته إلى إنتاج التماثل والاتساق، أي إلى ردّ الوقائع والخبرات إلى شبكة من العلاقات السببية والمعاني المستقرة. ومن ثم فإن كل ما يهدد هذا الاتساق يُستقبل بوصفه خطرًا ينبغي احتواؤه أو تحييده. غير أن نص أسليم، كما تكشف القراءة المعروضة، لا يشتغل داخل هذا الأفق الترميمي، بل يعمل على تقويضه. فهو لا يسعى إلى إعادة بناء انسجام بديل بقدر ما يدفع التجربة إلى مواجهة اللاتماثل في صورته العارية، أي إلى الإقامة داخل الشرخ بدل التستر عليه. وبهذا المعنى، لا تُقدَّم الشيزوفرينيا باعتبارها خروجًا عن الحقيقة، بل باعتبارها مجازًا يتيح تفكيك الآليات التي بواسطتها يحتمي الوعي من فوضى الوجود.

تصدّع الأنا وسقوط وهم الوحدة

تتمثل النتيجة الأولى لهذا التصدع في انهيار صورة الأنا الواحدة. فـ«كتاب الفقدان» لا يقدم الذات بوصفها جوهرًا ثابتًا أو مركزًا منظمًا للخبرة، بل بوصفها مجالًا تتنازعه أصوات وهويات متعددة. وتظهر هذه الفكرة على نحو مكثف في العبارة التي تستشهد بها المادة: “أحمد أنت أم محمد؟ الله أعلم. وإذن فقل نحن جمع وكفى”. تكمن أهمية هذه الصياغة في أنها لا تعلن مجرد ارتباك في التسمية، بل تقوّض المبدأ نفسه الذي تستند إليه فكرة الفرد المتماسك. فالذات لا تعود هنا صيغة مفردة، بل تركيبًا جمعيًا، لا يمكن اختزاله في هوية واحدة أو صوت واحد.

ويتعمق هذا التقويض حين تمتد حالة التشظي إلى الحدود الفاصلة بين الذكر والأنثى، وبين الأنا والآخر، وبين ما يعدّ خاصًا بما يعدّ متداخلًا مع الغير. ولا ينبغي فهم هذا التداخل بوصفه مجرد اضطراب نفسي في المعنى الضيق، بل بوصفه مساءلة للمفهوم الكلاسيكي للذات الفردية المستقلة. فالذات، في هذا الأفق، ليست كيانًا منغلقًا على نفسه، بل بنية مفتوحة، مأهولة بعناصر تتجاوزها، ومشكَّلة من تراكبات لا تتيح ردّها إلى أصل نقي أو هوية خالصة. وعليه، فإن ما ينهار في النص ليس التوازن النفسي وحده، بل أيضًا التصور الفلسفي للذات بوصفها وحدة مكتفية بذاتها.

الأنا آخر: البعد النظري للتشظي

تجد هذه الرؤية ما يدعمها في الإحالات التي تستدعيها المادة إلى جاك لاكان وآرثر رامبو. ففكرة أن “الآخر هو من يفكر بداخلي”، أو أن “الأنا آخر”، لا تُستخدم هنا على سبيل الاستشهاد الزخرفي، بل تؤدي وظيفة تفسيرية واضحة. ذلك أن الذات، وفق هذا التصور، لا تسبق اللغة ولا تنشأ خارجها، بل تتكون داخل شبكة من الرموز والأبنية الثقافية والتاريخية التي تحدد شروط ظهورها. وبناءً عليه، لا يكون الفرد أصل الكلام أو سيد المعنى، بل يصبح موضع تقاطع لقوى رمزية متعددة تتكلم من خلاله.

ومن ثم فإن الذات التي يشتغل عليها نص أسليم لا “تفقد” وحدتها بالمعنى البسيط، وإنما تكتشف أن هذه الوحدة لم تكن سوى بناء وظيفي ييسر العيش اليومي. وما يبدو، في اللغة المعيارية أو الحس المشترك، انهيارًا أو اختلالًا، يتحول داخل الكتابة إلى شكل من أشكال الكشف: كشف التعدد الكامن في الداخل، وكشف أن الأنا التي تبدو متماسكة ليست إلا نتيجة مؤقتة لتوازن هش. وتنبني أهمية هذا البعد النظري على أنه ينقل النص من حدود التمثيل النفسي إلى مستوى أوسع، هو مستوى مساءلة مفهوم الفرد الحديث نفسه.

اللغة وتحررها من وظيفتها المعيارية

لا يقف أثر هذا التصدع عند حدود الهوية، بل يمتد إلى اللغة ذاتها. فحين تفقد الأنا وحدتها، لا تعود اللغة قادرة على أداء وظيفتها التواصلية المألوفة بالطريقة نفسها. لذلك لا تُقدَّم اللغة في «كتاب الفقدان» بوصفها وسيلة محايدة لنقل المعنى، بل بوصفها فضاءً للانزياح والاضطراب وإعادة التشكيل. وهي لا تنهار بمعنى العجز الكامل أو الصمت، وإنما تتحرر من منطقها السببي الصارم، أي من انتظامها العادي الذي يفترض ذاتًا مستقرة ترسل رسالة واضحة إلى ذات أخرى مماثلة.

تبعًا لذلك، تكثر في النص الاستعارات الغرائبية، وتُعاد صياغة العلاقات بين الإنسان والجماد والنبات، وتتفكك الحدود التي تحفظ ترتيب العالم داخل اللغة اليومية. ولا يمكن النظر إلى هذا التحول بوصفه مجرد تزيين أسلوبي، بل ينبغي فهمه على أنه استجابة بنيوية لتجربة فقدت انسجامها الداخلي. فإذا كان العالم نفسه يتبدى في صورة متصدعة، فإن اللغة المرتبة والمهذبة لا تعود قادرة على تمثيله بصدق. ومن هنا تكتسب فكرة “النثر المتوحش” دلالتها النقدية، لأنها تشير إلى كتابة ترفض الترويض اللغوي والتجنيسي معًا، وتبحث عن صيغة تعبيرية توافق تمزق التجربة التي تنبني عليها.

الموت بوصفه بُعدًا داخليًا للحياة

إذا كان تشظي الأنا واضطراب اللغة يشكلان أحد محوري التجربة، فإن المحور الآخر يتمثل في الحضور الكثيف للموت. والمقصود هنا ليس الموت بوصفه حادثة نهائية تقع في خاتمة الزمن الفردي، بل بوصفه حقيقة ترافق الحياة من داخلها. ويظهر ذلك بوضوح في الصلة التي تُقام بين «كتاب الفقدان» و«حديث الجثة»، حيث تتحول صورة الجثة الملقاة على الطريق بين الدار البيضاء ومكناس إلى مركز تأملي يكشف موقع الموت في عالم أسليم السردي. فالجثة ليست عنصرًا عارضًا في المشهد، بل مرآة تعيد للأحياء صورتهم الخاصة، أي صورتهم بوصفهم كائنات تتحرك داخل أفق الفناء نفسه.

ويتعزز هذا المعنى حين تُصاغ الحياة نفسها بوصفها امتدادًا للاحتضار، أو حين يوصف الأحياء بأنهم “جثث ممتدة تحتضر” وهي تمشي وتتحدث وتمارس عاداتها اليومية. إن ما يتعرض للتفكيك هنا هو الثنائية التقليدية التي تجعل الحياة والموت ضدين منفصلين. فالموت لا يُطرح باعتباره انقطاعًا خارجيًا يداهم الحياة من خارجها، بل باعتباره أحد أبعادها المكونة. وبهذا المعنى، فإن الذات التي تمرّ بتجربة التشظي تبدو أقدر من غيرها على رؤية هذا التداخل، لأنها لا تحتمي، أو لم تعد تستطيع أن تحتمي، بالأنساق العقلانية التي تؤجل مواجهة الفناء أو تخفف من حدّته. وهكذا تكتسب استعارة الجنون وظيفة إضافية، هي الكشف عن هشاشة الحياة اليومية حين تُنظر إليها من منظور الموت الكامن فيها.

الكتابة بين الألم والمقاومة

عند هذا الحد يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: إذا كانت الذات تتشظى، واللغة تتمرد على انتظامها المألوف، والحياة نفسها مشبعة بالموت، فما الذي يبرر الكتابة؟ الجواب الذي تقدمه المادة يتمثل في العبارة الآتية: “أنا إنسان يتألم ويتكلم”. وتكمن أهمية هذه العبارة في أنها تؤسس الكتابة على علاقة مباشرة بالألم، لا على الرغبة في الزخرفة أو التسلية أو الاستعراض الثقافي. فالكتابة، وفق هذا التصور، ليست ترفًا جماليًا، بل استجابة وجودية، أو فعلًا دفاعيًا ضد المحو. إنها لا تعد باستعادة التوازن المفقود، ولا تقترح شفاءً يعيد الذات إلى انسجامها السابق، وإنما تتيح تحويل الألم من تجربة صامتة إلى أثر لغوي قابل للحفظ والتداول.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم استدعاء لويس فردينان سيلين وآسيا جبار. فالإحالة إلى سيلين تُبرز إمكان تقويض اللغة الكلاسيكية حين تعجز عن احتواء الحرب والمرض والموت، بينما تكشف الإحالة إلى آسيا جبار عن إمكان تحويل الصمت، سواء كان سياسيًا أو تاريخيًا أو وجوديًا، إلى كلام فاعل. وفي الحالتين تتحدد الكتابة بوصفها ممارسة مقاومة، لا لأنها تلغي الألم أو تتجاوزه، بل لأنها تمنح التجربة المهددة بالمحو صيغةً تعبيريةً تستعيد بها حضورها. ومن ثم فإن النص لا يقبل أن يُقرأ من الخارج بوصفه “حالة” تخضع لتشخيص مؤسسة ما، بل يصر على أن يتكلم بصوته الخاص، وأن يعيد تسمية العالم المنهار من موقع التجربة ذاتها.

النثر المتوحش وإعادة تعريف الفعل الأدبي

ضمن هذا السياق، يكتسب تعبير “النثر المتوحش” أهمية خاصة، لأنه لا يصف مجرد انفعال لغوي، بل يكاد يلخص طبيعة المشروع الكتابي كله. فالتوحش لا يعني هنا الفوضى المجانية أو غياب الصنعة، بل رفض الترويض الذي تفرضه القوالب الجاهزة: ترويض اللغة، وترويض النوع الأدبي، وترويض التجربة نفسها لكي تصبح قابلة للإدراج في تصنيف مألوف. ولذلك فإن هذا النثر يتمرد على الحدود الفاصلة بين الرواية والسيرة والاعتراف والهلوسة والتأمل، لأنه ينشأ في منطقة تماس بين الألم والفكر، وبين المعاناة الفردية والسؤال الوجودي.

ومن ثم، لا ينبغي النظر إلى هذه الكتابة باعتبارها وثيقةً عن اضطراب نفسي، بل باعتبارها ممارسة أدبية تمتحن حدود الإنسان نفسه: حدود هويته، وحدود لغته، وحدود قدرته على مقاومة الفناء. فالكتابة لا تنتصر على الموت أو الجنون انتصارًا مباشرًا، لكنها تمنع المحو من أن يكون كاملًا. وهي، بهذا المعنى، تخلق من داخل الانهيار شكلًا من أشكال البقاء الرمزي، أو تمنح التجربة المهددة بالتلاشي إمكانًا لأن تتحول إلى شهادة.

خاتمة

يمكن القول، في ضوء ذلك، إن العوالم السردية لمحمد أسليم لا تتخذ من الجنون موضوعًا للتمثيل فحسب، بل تبني منه أداة نقدية لفحص أوهام الحداثة الذاتية: وهم العقلانية المكتفية بذاتها، ووهم الأنا المتماسكة، ووهم الفصل المريح بين الحياة والموت. ففي «كتاب الفقدان» لا يظهر تصدع الذات بوصفه حادثًا نفسيًا منفصلًا عن الرؤية، بل بوصفه مدخلًا إلى إعادة تعريف الذات واللغة والكتابة في آن واحد. كما لا يحضر الموت بوصفه خاتمة خارجية، بل بوصفه عنصرًا باطنيًا في بنية الحياة نفسها. وفي مواجهة هذا الأفق لا تبدو الكتابة تعويضًا عن الانهيار، بل شكلًا من أشكال العمل داخله: تحويل الألم إلى قول، والتشظي إلى بناء، والفقدان إلى أثر. وعلى هذا الأساس، يغدو الجنون، في تجربة محمد أسليم، ليس مجرد فقدان للواقع، بل أفقًا للكشف عن طبقاته التي تعجز العقلانية اليومية عن إدراكها.

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة